اختار أوباما مصر ليخاطب منها العالم الإسلامي فاختلف المراقبون بين مؤيد ومعارض لذلك الاختيار. المفارقة هي أن أغلب المؤيدين والمعارضين اتفقوا على شيء واحد وهو أنهم بنوا موقفهم على السبب الغلط! فالذين أيدوا فهموا اختيار مصر باعتبار أن معناه تأييد للسياسة المصرية الإقليمية ودعم لدول «الاعتدال» في مواجهة دول الممانعة.

وقد أضاف المصريون ممن أيدوا الاختيار إلى ذلك تأكيدهم على أن الاختيار معناه فساد مقولات انحسار الدور المصري. أما الذين عارضوا الاختيار فقد عارضوه باعتباره يضفى الشرعية على سجل الحكومة المصرية بشأن الديمقراطية والحريات وأن معناه أن إدارة أوباما قد غضت الطرف عن قضية الديمقراطية في العالم العربي. وبالإضافة لذلك، راح الكثير من المراقبين يتحدثون عن «ما ينبغي» أن يطرحه أوباما في خطابه بشأن الصراع العربي الإسرائيلي وغيره من القضايا العربية.

المؤيدون والمعارضون إذن ربطوا الاختيار بأداء النظام المصري ـ سواء كان إقليميا أو داخليا ـ في حين أن زيارة أوباما لا علاقة لها بالعلاقات المصرية الأميركية ولا هي معنية أصلا بالحكومة المصرية ولا غيرها من الحكومات بالمناسبة.

كما قال صراحة المتحدث باسم البيت الأبيض. وبينما ارتفع سقف توقعات العرب- ومنهم المصريون- بشأن قضاياهم يسعى أوباما للحديث إليهم ضمن غيرهم على اتساع العالم الإسلامي! باختصار تمركز العرب وأولهم المصريون حول أنفسهم ونسوا تماما أن الخطاب موجه للعالم الإسلامي الذي يضم من غير العرب الملايين غيرهم! وهو أمر يسيء لنا نحن العرب جميعا الذين يتهمنا الكثيرون في العالم الإسلامي أصلا بالتمركز حول الذات.

وهدف أوباما من إلقاء الخطاب هو وحده الذي يفسر اختياره لمصر ويحدد ما ينبغي أن نتوقعه بل ونطلبه. فقد تسلم أوباما الحكم بعد أن حل الدمار بعلاقة بلاده بالعالم الإسلامي. فقد تبنى سلفه سياسة قائمة على الغطرسة والأيديولوجيا والقوة الغاشمة. وغزا بالفعل بلدين مسلمين كبيرين وهدد غيرهما، وقدم لإسرائيل شيكا على بياض من التبريرات لكل ممارساتها، ثم ترك الحكم بعد أن أدخلت إدارته في القاموس تعبيرات فجة من نوع «الفاشية الإسلامية».

ويدرك أوباما جيدا أن مشكلة بلاده ليست مع الحكومات وانما مع الشعوب. ففي الوقت الذي احتفظت فيه أغلب حكومات الدول المسلمة بعلاقتها بأميركا بوش فإن القبول الشعبي للسياسات الأميركية وصل لأدنى مستوياته.

بل إن الكثير من النظم الحليفة لأميركا صارت تدفع ثمنا شعبيا باهظا بسبب ذلك التحالف الأمر الذي يضر بالمصالح الأميركية. ومن هنا جاءت فكرة توجيه الخطاب. فالهدف هو شعوب العالم الإسلامي لا حكوماته والمطلوب مخاطبتها بلغة جديدة على لسان رئيس له خلفية عائلية مركبة تربطه بالمسلمين.

بعبارة أخرى، يريد أوباما البراجماتي طي صفحة الأيديولوجيا وبدء علاقة قائمة على المصالح. وهو حتى ينجح في مهمته عليه أن يخاطب عقول المسلمين أولا للنفاذ لمشاعرهم.

وإذا كان الخطاب يستهدف «عقل» العالم الإسلامي تصبح مصر اختيارا مناسبا، فمن ناحية، يصبح الثقل الفكري المركب لمصر هو بالضبط ما يبحث عنه أوباما. فمصر ليست فقط بلد الأزهر والوسطية الإسلامية ولكنها أيضا التي نشأ فيها الإسلام السياسي فكريا وحركيا والذي خرج من عباءته مختلف الجماعات والقوى الإسلامية التي استخدمت العنف أو التي تبنت العمل السياسي السلمي.

ومصر أيضا أثرت بمفكريها وروادها في مختلف التيارات الفكرية العلمانية على اتساع العالم العربي. بعبارة أخرى، فإن طابع الإسهام الفكري المصري مركب لا يمكن تصنيفه وفق معايير الأبيض والأسود.

ومن ناحية أخرى، فإن مصر تمثل التركيب نفسه من زوايا أخرى متعددة. ففي الوقت الذي تعتبر فيه مصر من أهم حلفاء أميركا في المنطقة إلا أنها أيضا البلد الذي تشير استطلاعات الرأي إلى أن السياسات الأميركية تعانى فيه من أدنى شعبية لها في المنطقة.

ومصر التي هي أول دولة عربية تعقد صلحا مع إسرائيل هي ذاتها الدولة التي لم يزر رئيسها الحالي إسرائيل طوال فترة حكمه التي امتدت ما يقرب من ثلاثة عقود.

بل أكثر من ذلك، فإن مصر التي اتبعت السياسات الاقتصادية التي أوصت بها أميركا يحقق اقتصادها معدل نمو لا بأس به إلا أنه نمو لا تستفيد منه سوى شريحة محدودة وتزداد فيه الفجوة بين الفقراء والأغنياء اتساعا. بعبارة أخرى، فإن الطابع المركب للتجربة المصرية هو بالضبط ما يبحث عنه من يريد مخاطبة عقل العالم الإسلامي.

فللاختيار دلالة رمزية تحمل رسالة مؤداها في ظني أن هذه الإدارة تدرك تركيب العالم الإسلامي الذي يتجلى بوضوح في الحالة المصرية وأنها ترفض أفكار «الأبيض والأسود» التي كان يتبناها سلفه في التعامل معه. ومن هنا فإن اختيار مصر لا يمثل مكافأة للحكومة المصرية لأن خطاب أوباما لا علاقة له بالحكومات أصلا والرسالة التي يسعى أوباما إلى توجيهها لا تقتصر على مصر والعرب وانما هي رسالة موجهة لعموم المسلمين.

ويعني ذلك أن الخطاب قد يتطرق للقضية الفلسطينية ليس لأنها تهم الدولة العربية المضيفة ومحيطها المباشر وانما لأنها قضية تهم كل المسلمين من أند ونيسيا إلى موريتانيا. لكن هذا يعنى أيضا أن يتطرق الخطاب أيضا إلى قضايا المسلمين من غير العرب.

غير أن الأهم من هذا وذاك هو كيف سيتمكن الرئيس الأميركي الذي تحتل بلاده بلدين مسلمين أن يمد يد الصداقة والشراكة للمسلمين؟ بعبارة أخرى السؤال الرئيسي الذي ينبغي أن يشغلنا هو كيف سيتناول أوباما وجود بلاده في أفغانستان مثلا الذي قام هو بنفسه برفع عدد قواته فيه، وهي القوات التي راح ضحيتها 147 مدنيا أفغانيا في يوم واحد الأسبوع الماضي؟

كاتبة مصرية

manarmes@yahoo.com