الزعيم الليبي معمر القذافي من أكثر الحكام العرب والأفارقة اهتماما بالشأن الدولي، ويرجع هذا ربما إلى طيلة سنوات حكمه التي اقتربت من الأربعة عقود كانت فيها ليبيا دائما في بؤرة الحدث الدولي، وكانت على صلة واحتكاك بالشرق والغرب، سواء من خلال التعاملات التجارية والسياسية أو من خلال المشاكل والصدامات الكثيرة التي عاشتها ليبيا مع العديد من الجهات الغربية.

وهذا في الواقع أعطى الزعيم القذافي الخبرة الواسعة في الشأن الدولي، كما أعطاه أيضا الحق في إبداء رأيه في مختلف القضايا الدولية القريبة أو البعيدة عن بلاده وعن المنطقة العربية في مقال له مطول نشرته مؤخرا صحيفة «فريميا نوفوستي» الروسية تحدث القذافي عن أوكرانيا فقال: إنه يعتبرها مشكلة حقيقية، ويستعرض ببراعة واطلاع واسع علاقات أوكرانيا التاريخية مع روسيا، ويرى القذافي أن أوكرانيا تعيش معاناة دائمة بسبب تصغير حجمها بجانب جارتها الكبيرة روسيا واعتبارها دائما تابعة لها،.

في حين أن الأوكرانيين يعتبرون أنفسهم الأصل والمهد لتأسيس الإمبراطورية الروسية التي كانت تابعة في الماضي البعيد لأوكرانيا تحت مسمى «كييف روسيا»، ويرى أن أوكرانيا على مدى تاريخها بجوار روسيا لم تشعر بطعم الاستقلال الحقيقي، هذا على الرغم من أن الروس من الناحية الرسمية لا يعترضون على استقلال أوكرانيا بل يعترفون بأن أوكرانيا دولة مستقلة ذات سيادة وجارة.. وشقيقة.

إذن ما هي المشكلة الحقيقية الخطيرة في الموضوع ؟ يقول القذافي إن «المشكلة الخطيرة هي أن أوكرانيا تريد ضمانات دولية لاستقلالها حتى لا تفقده مرة أخرى كما تقول، ولكن هذه الضمانات صعبة وخطرة جدا بالنسبة لروسيا، والمشكلة أن ما تراه روسيا خطرا على أمنها واستقلالها تراه أوكرانيا ضمانا لأمنها واستقلالها، وهذا هو أساس المشكل، وهنا التناقض الشديد في سياسة البلدين».

القذافي يرى أن أوكرانيا تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وتعتبر هذا هو الضمان المضمون لاستقلالها، ويقول القذافي إن هذا الضمان في الواقع هو ضمان ضد روسيا وليس ضد أي دولة أخرى، بينما الروس يقولون إن هذه الضمانات هي تحديات خطرة جدا لأمن روسيا، وأنها لا داعي لها لأن روسيا تعترف بأوكرانيا كدولة مستقلة ذات سيادة.

يقول القذافي إنه إذا وصل حلف الأطلسي إلى أوكرانيا فمعناه الدق على باب موسكو.. وإذا دق العدو على باب دارك فإما أن تفتح له ليدخل أو قد يحطم الباب.

الروس يرون أن الخطر يوجد بمجرد أن تكون أوكرانيا عضوا في حلف يعدّ عدوٌّا لروسيا وهو الناتو، وفي أوكرانيا يقولون: نحن لن نعمل شيئا ضد روسيا، ولكن نعمل لمصلحة أوكرانيا.

القذافي في الحقيقة لمس الجوانب الأساسية في المشكلة الأوكرانية الروسية، واجتهد في تفسيرها وتحليلها بشكل جيد، لكنه أغفل شيئا هاما في هذه القضية، وهو العامل الخارجي، أي التدخل الأجنبي ومدى أهمية أوكرانيا بالنسبة للغرب، هذا التدخل الأجنبي هو الذي أثار القضية الأوكرانية ـ الروسية في الآونة الأخيرة، وخاصة بعد الثورة البرتقالية عام 2004 التي أتت بنظام موالٍ لواشنطن.

أوكرانيا في استراتيجيات الغرب وحلف الناتو لا تشكل فقط شوكة قوية في خاصرة روسيا، بل هي جسر هام بين أوروبا وآسيا، والتدخل الأجنبي في أوكرانيا سوف يعرض روسيا لخسائر فادحة، أهمها شواطئ البحر الأسود، وكذلك خطوط إمدادات الطاقة لأوروبا، والعامل الأجنبي الغربي كعادته لا يعمل حسابا لمصالح الشعوب وعلاقاتها التاريخية والثقافية والاجتماعية ببعضها، بل يلعب على ورقة ألأنظمة الحاكمة الضعيفة، وهذا هو حال الأزمة الأوكرانية حاليا، الشعب يريد شيئاً والنظام الحاكم يريد أشياء أخرى مناقضة.

كاتب أوكراني

vladi1949@mail.ru