استكمالا لحديثنا السابق عن حركة حق الاحتجاجية البحرينية نشير هنا إلى أن الحركة لا تمثل كما هي في العادة الحركات الاحتجاجية تجمعا لتيارات فكرية أو سياسية مختلفة تحتضنها حركة، من حيث إن الحركة وليس التنظيم السياسي إن هو إلا تجمعات سياسية أو فكرية مختلفة، وهي الحالة التي ليست عليها حركة حق.
بل ان جمعية الوفاق الوطني الإسلامي وهي التنظيم الذي منه انشقت المجموعة المشكلة لحركة حق قد تمثل تجمعا لتنظيمات أو لتيارات سياسية ولربما فكرية مختلفة، وهو الأمر الذي ليس عليه حركة حق. فما يجمع العاملين فيها هو الالتقاء تحت عناوين سياسية واحدة تتسم بقدر غير عادي من الدغماتية السياسية.
بمعنى آخر فإن الحركة في واقع أمرها لا تعكس تنوعا في الفكر أو الطرح السياسي بل أنها تتشكل من أفراد محدودي التعليم ولربما المعرفة، ولربما المكانة الدينية والسياسية كما هي جمعية الوفاق أو المنظمات السياسية الاسلامية والعلمانية الأخرى الفاعلة في الأوساط الشيعية. وهي في هذا لا تعكس التنوع السياسي والفكري الذي تمثله في الغالب الحركات الاحتجاجية.
فحركة حق البحرينية رغم ثلاث الشخصيات السنية التي مثلت في قيادتها المركزية أو في مجلس إدارتها، هي في واقع أمرها ونتيجة لتصدر الشخصيات السياسية الشيعية المعارضة أعمالها واقتصار نشاطها الاحتجاجي في الأوساط القروية الفقيرة من القرى الشيعية هي في واقع أمرها فصيل أو تجمع من شخصيات محسوبة على الإسلام السياسي الشيعي..
وهي في هذا اما أن تكون شخصيات قد انشقت عن تنظيماتها السياسية السابقة أو أنها قد تخلت عن أطروحات تنظيماتها السياسية السابقة، وتبحث في ذلك عن دور ومكانة سياسية جديدة. وهي في جلها رغم الصغر الشديد في عدد المنتسبين لها، أما أنها كانت تنتمي إلى حزب الدعوة الشيعي سابقا أو إلى فلول حزب الله أو بقايا حركة أحرار البحرين الإسلامية.
وهي في هذا لا تقدم الجديد على صعيد تفسير الحالة السياسية أو في أطروحة علاقة الدولة بالمعارضة، كما أن قواعدها لا تمثل التيار الأوسع من جماعات الإسلام السياسي الشيعي الأخرى.
كما أنه رغم «صخب» الأطروحة للحركة إلا أنه لا يمثل الشارع السياسي الشيعي الأكبر. بل ان آليات وأدوات وأسلوب عملها السياسي يقوم على أحداث قدر غير عادي من «الضجيج» السياسي المستقطب للمساحة الأكبر من الحضور الإعلامي الداخلي والخارجي. وهي في هذا تمتاز باختيار تواريخ أنشطتها أو ما يسميه البعض «بمشاغباتها» السياسية وهي في جلها تواريخ قد تزعج النظام السياسي وإن كانت غير ذات جدوى في الضغط عليه أو إرباكه.
فتعيين مواعيد وأماكن احتجاجاتها الدورية والسنوية كيوم الشهداء في 17 ديسمبر، أي بعد يوم واحد فقط من احتفال البلاد بعيدها الوطني واختيار أيام استضافة البحرين لمسابقات الفورمولا للتظاهر وحرق إطارات السيارات في الشوارع الرئيسية المؤدية لحلبة السباق والتجمهر أمام ديواني ملك البلاد ورئيس الوزراء للتعبير عن شكواها أو احتجاجاتها، كلها أمور تعبر عن حقيقة أن تعيين الزمان والمكان في أنشطتها الاحتجاجية لم يأت من فراغ بل انها مبنية أولا على فكرة الإثارة .
وبالتالي الاستقطاب الأوسع لوسائط الإعلام العالمية المختلفة من ناحية وإغاظة النظام ودفعه نحو تغليظ ردات فعله من ناحية أخرى، وهو الأمر الذي تبني عليه الحركة أطروحتها السياسية المعروفة والقائمة على فكرة (أن ما حدث ويحدث لا يعدو كونه تجميلا للنظام منها تغيير حقيقي في سلوكه وممارساته تجاه المجتمع) وهو الطرح الذي تقول به قيادات الحركة في أوساط قطاعات سكانية معينة تشكل المعين البشري لهذه الجماعة السياسية.
وهو قطاع سكاني ونتيجة لدرجة التسييس الذي يخضع له أو يعيشه فان أطروحات سياسية كتلك التي تقول بها الحركة أو حتى القادمة من القطاعات السياسية الأخرى تجد صداها في أوساطه، وهو الأمر الذي لم يبحث فيه بشكل جاد وعلمي ولم تتبن لأجله حلولا تتجاوز الأطر التقليدية المعروفة في مواجهة ما قد يسميه البعض «بالمنظمات المارقة»، لم يتم ذلك ليس على الصعيد الرسمي فحسب وإنما كذلك على صعيد القوى السياسية وقوى المجتمع المدني.
بمعنى آخر أن قطاعا من قيادات الحركة تدرك تماما أن طبيعة عملها السياسي كما هي طبيعة الآليات الاحتجاجية الموظفة فيه عاجزة عن إحداث التغيير في النظام، أو أن تدفعه نحو مزيد من الخطوات السياسية التي ترغب فيها الحركة والتي قد لا يرغب النظام في القفز إليها سريعا أو قد يعتبرها تجاوزا في إطار المعطيات المحلية والإقليمية.
بل يمكن القول إن طبيعة عملها السياسي الاحتجاجي هو قائم على إستراتيجية «إزعاج النظام» ولربما أحيانا إرباكه أو دفعه نحو التشدد في بعض الإجراءات أو ردات الفعل مغلظة والتي قد تقود إلى أخطاء عليها باتت تعتاش هذه القوى ووفق ذلك باتت تؤكد أطروحاتها السياسية في القطيعة.
وهو نمط من العمل السياسي ـ الاحتجاجي تنزع في تبنيه التنظيمات السياسية ذات الحضور السياسي الصغير والتي تدخل في الغالب في تنافس مع تنظيمات سياسية لها في العادة الغلبة والحضور الكبير.
وبعيداً عن حصر المكاسب في أنشطة الحركة في أطار منظورها الدغماتي منذ تأسيسها في عام 2006 حتى الآن، إلا أنها في جلها لم تقد نحو تحقيق أي من المطالب المطروحة في «التغيير السياسي».
بل ان الكثير من القوى السياسية الأخرى المعارضة بما فيها بعض قيادات جمعية الوفاق يعتقدون أن أنشطة الحركة إن هي إلا أنشطة مبعثرة ومعطلة لأجندتها ومطالبها السياسية داخل البرلمان وخارجه. فهي أنشطة كما يقول هؤلاء لم تحد مما يسمونه «بالتجنيس السياسي»، بل ان أنشطتها الاستفزازية قد دفعت نحو تغليظ الكثير من التشريعات وتشديدها.
بل ان الكثير من أهالي القرى التي منها تنطلق احتجاجات الحركة يعتقدون أنها، أي الحركة، قد زادت من سوء الأحوال في هذه التجمعات بفعل بعض الإجراءات الأمنية المفروضة عليها.
كاتب بحريني