عرف مجلس الأمة الكويتي ـ رغم تجربته وخصوصيته ـ بتعرجاته ودخوله في حالة الاحتقان السياسي ومروره دهاليز التأزيم، متناسيا انه لا يعيش في الفضاء الخارجي، كما انه لا يمكنه بلوغ تجربة المجتمعات الأوربية العريقة التي تجذرت فيها قوى المجتمع المدني وتم تفتيت البنيات الطائفية والقبلية فيها.

وصار الوعي المجتمعي الفردي والمؤسساتي هو ما يشكل اختيارات الإنسان في كل مجالات الحياة بما فيها اختياره للنائب الذي سيختاره لتمثيله في مؤسسة سياسية رقابية وتشريعية، فيما ظلت في بلدان عربية وإسلامية ومن ضمنها الخليجية ـ بتجربتها الوليدة ـ قابعة في إطار المؤثرات العائلية والعشائرية والمذهبية بينما ظلت المؤثرات الحداثية والمعاصرة للشعوب المتقدمة غائبة عنها وان كانت حياتنا تبدو شكليا تعيش كل منجزات العصر وتطوره.

هذا الفهم والتناقض الاجتماعي والسياسي نراه في جميع أشكال آليات الحملة الانتخابية من نصب الخيام والشعارات والهتافات والخطب وبروز نواب المال السياسي ونواب الخدمات والقبائل والطوائف كأحد مقومات وركائز الخارطة السياسية الكويتية.

ولن تجتاز الكويت تلك الحالة المجتمعية والتي نجدها في الانتخابات النيابية أكثر عريا للحقيقة وما مواقف المرشحين والمقترعين إلا أصوات معبرة عن ذلك الانتماء الفعلي للوراء حيث لم يفتت الثراء الطارئ التكوين والخارطة السياسية الكويتية الحالية. والمفارقة إن انتخابات يوم السبت الماضي أتت بعد انتهاء الهند من التصويت حيث ينتخب هناك ما يقرب سبعة مئة مليون وخمسمئة ألف ناخب فيما يصوت 384 ألف شخص لاختيار 210 مرشح على 50 مقعد (أي بنسبة أكثر من 4 مرشحين لكل مقعد واقل من 200 ناخب لكل مرشح).

هذه الخارطة الانتخابية السكانية الموزعة بين المتنافسين لدوائر محددة تم تصميمها إداريا من اجل المحافظة على وضع معين داخل المؤسسة التشريعية بحيث تتلون بتركيبات معقولة تتناسب مع الخط الإصلاحي والتنموي للكويت .

وإلا دخلت من جديد في دوامة التأزيم والاحتقان السياسي لمجموعات متطرفة لا تحسن كيفية استخدام حقها في استجواب للسلطة التنفيذية وبدلا من مراقبتها ومحاسبتها في حدود اللوائح يتحول الاستجواب التشريعي للنواب كحق دستوري إلى نمط من الاستجواب البوليسي التعسفي مما يجعل إمكانية التوافق والتعاون بين السلطتين أمرا صعبا وبدلا من البحث عن إمكانية التسوية السياسية والمرونة تدخل الأطراف إلى نفق مغلق مما يدفع بأعلى سلطة في البلاد بتعليق الحياة النيابية وإقالة الحكومة.

وقياسا بحياة البلدان نيابيا تعتبر الكويت واحدة من أكثر البلدان تأزيما إذ تعتبر انتخابات 17 مايو الانتخابات البرلمانية رقم 13 لبلد نال استقلاله حديثا في أوائل الستينات. فما الذي يحدث للبلد عندما يتم الشد والجذب بين السلطتين؟ النتيجة هو دخول الطرفين دوامة الصراع المغلق المؤدي إلى تعطيل التنمية وتراجع مستوى دخل الفرد وتحسن وتطور مستوى خدماته.

ما نتج عن تعليق وحل المجلس في 18 مارس المنصرم ـ ذلك المجلس الذي كانت حالة التأزيم السياسي ـ فيه مرتفعة ومتوترة بحيث كما قال أمير الكويت صباح الأحمد أنها شوهت وجه الحرية والديمقراطية والتي لن تكون مفردة قاموسية وسياسية مجردة بقدر ما هي ممارسة وثقافة مجتمعية لها علاقة بالتطور والوعي والمتغير الاجتماعي والمدني للمؤسسات جميعها إذ يستغرق ذلك ردحا من الزمن أطول من مسألة قرار تأهيل الشعوب المتخلفة على ثقافة الحوار والنقد والمسؤولية والحقوق والمسافات بين السلطات الثلاث.

لن نتفاءل بمتغير جديد داخل المجلس القادم إذ سيحتل التيار الإسلامي بأطيافه المختلفة على ما يقارب 65% فيما سيكون نصيب الآخرين ما تبقى من مقاعد الجديد في هذه الانتخابات حماس النساء ونضالهن من اجل الحصول على مقاعد يتيمة إذ ترشحت هذه المرة 17 إمرأة.

ويقدر المراقبين إن امرأتين من المحتمل أن يخترقن التابو الاجتماعي والسياسي إذ لم يرحمهن التيار السلفي بفتواه محاولا تأثيم من يقترع لهن بل وان ترشيحهن إثما أيضا. هذا المناخ العدائي للمرأة لم يوهن عزيمتها فهي تود أن تجتاز كل أشكال الحصار فمن بعد اجتيازهن دائرة حق الانتخاب والترشيح بات الآن حدودهن العازلة هو جدار قبة مجلس الأمة ولا بد أن يأتي يوما في اجتيازه.

وبرغم الصبغة الإسلامية القادمة لمجلس الأمة الكويتي فان هناك اعتقاد جديد لدى غالبية النواب خاصة بعد حل المجلس إن من الضروري الابتعاد عن التأزيم والدخول في حالة الاحتقان المستمرة فذلك يتسبب في تعطيل التنمية ومن ثمة تذمر الشارع السياسي والشعب الكويتي بشكل عام.

هذا الانطباع شعر به الجميع كما عكسه الإعلام الكويتي فالمناوشة والتجاذب السياسي لا يجدي في بعض الحالات عندما تدخل السلطتين في خندق الصراع الشرس دون معنى وفهم لتاريخ القيم الديمقراطية وثقافتها.

وكما نعرف إن القيم الديمقراطية لا تنبعث من الفراغ الاجتماعي وإنما من خلال مسيرة سياسية واقتصادية وتاريخية للمجتمع. ولا نحتاج لفهم تركيبة الخارطة السياسية والمجتمعية في مجلس الأمة إلى جهد كبير لتصنيف بنيته فنتائج الانتخابات الكويتية وانعكاساتها خير دليل على ذلك إذ تعبر النتائج وحدها عن التوزيع القبلي والطائفي وعن تركيبة المجتمع الكويتي الديني الإسلامي.

ولكن ذلك لا يلغي التنوع السياسي القائم على المزيج التقليدي والحداثي والصراع المستمر بين أفكار متلاطمة خلقتها عملية التطور داخل المجتمع الكويتي وهي التربة الدائمة لتيار الليبرالية والتقدم الديمقراطي فيها.

يبقى سؤال هام ليس باستطاعتنا تحديده إلا بعد الانتهاء من الانتخابات وهو مدى نسبة المقترعين في هذه الدورة رقم 13 المنحوس وان كانت الاستبيانات تشير إلى نسبة عالية تفوق 60% من المقترعين.

وعادة عندما يبدأ المجتمع الدخول في حالة تذمر وإحباط يصاب بحالتين متناقضتين إما الانكماش أو الاندفاع نحو صناديق الاقتراع رغبة في التغيير والإصلاح وهي ظاهرة ايجابية لكل شعب حي لا يستسلم للصدمات المؤلمة التي أدخلته في نفق التأزيم. نحتاج للانتظار قليلا لاستيعاب التجربة ومن أهمها الحفاظ على شعرة معاوية بين السلطتين بدلا من قطعها دائما.

كاتب بحريني

baderabdulmalek@yahoo.com