على وقع خلافات ظاهرة ومخفية، مرّت مرور الكرام قبل فترة؛ قمة كان من المفترض أن تكون واحدة من أبرز قمم الاتحاد الأوروبي وأكثرها تأثيرا في مشروع التوسع نحو الشرق، باعتبار أن «مشروع الشراكة الشرقية» الذي تمحورت حوله المحادثات يعتبر حسب رأي البعض من المشاريع الهادفة لإحداث نقلة نوعية في الخارطة الجيو ـ سياسية في المنطقة.

وإذا كان هذا الوصف مبالغا به، فإن المشروع قد يتمكن على الأقل من تحقيق تغيير ما في عملية توزيع الطاقة عبر أوروبا، والتي هي بلا شك واحدة من الأهداف الاستراتيجية المهمة التي سيتعامل معها الاتحاد الأوروبي خلال المرحلة المقبلة.

ما جعل من هذه القمة هامشية هو أنها انعقدت في ظل الرئاسة التشيكية للاتحاد الأوروبي، أي تحت قيادة متضعضعة تتخبط بكثير من الأزمات على الصعيد الداخلي، إضافة إلى مجموعة من الشكوك وعدم الثقة بين الشركاء الأوروبيين أنفسهم، الذين غاب أبرز قادتهم عن الاجتماع المهم لسبب أو لآخر.

هذا الأمر أضاف بالطبع كثيرا من التساؤلات حول الأهداف الرئيسية التي حددتها الرئاسة التشيكية، وفيما إذا كان تطبيقها يجب أن يعني بالضرورة تجاهلا لمجموعة أخرى من الأهداف التي سبق للاتحاد أن اعتبرها ضمن أولوياته، وأبرزها تحقيق مشروع الشراكة الأوروبية ـ المتوسطية، الذي لم يتردد التشيك باعتباره مضيعة للوقت في ظل الحلقة المفرغة التي يدور فيها العرب والإسرائيليون، ما أثار غضب الفرنسيين الذين يرون الأمور من منظار مختلف على ما يبدو.

لكن برغم ما جرى فإنه قد يكون من المفيد إلقاء الضوء على مشروع الشراكة الأوروبية الشرقية نظرا لأهميته من الناحية الاستراتيجية، ولأنه قد يلعب دورا في تغيير بعض أنظم ومعايير الممارسة السياسية في القارة الأوروبية خلال الحقبة المقبلة.

فالمشروع المذكور يهدف بالدرجة الرئيسية لإيجاد بعض القواسم الجامعة مع ست دول أوروبية شرقية هي أرمينيا وجورجيا وروسيا البيضاء وأذربيجان ومولدافيا وأوكرانيا، وهي دول كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي المندثر أو محلّقة في فلك تأثيره.

وحسب النوايا المعلنة، فإن الاتحاد الأوروبي يأمل من هذا التعاون تحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية بالدرجة الرئيسية، دون أن يعني ذلك الإحجام عن تصدير ما يمكن اعتباره نفوذا سياسيا معينا قد يشكّل بعض القلق للدول المحيطة وأبرزها روسيا.

ومن هذا المنطلق، فإن ما أصبح متعارفا عليه في كواليس الحركة السياسية في تشيكيا والاتحاد الأوروبي عموما، هو أن التعاون مع الدول المذكورة، إن نجح، سيساعد في تحقيق الهدف الاستراتيجي المحدد والقاضي بتعزيز ما يعرف بأمن الطاقة لجميع الأطراف المعنية، وتاليا إحداث عملية تنويع شاملة في استيراد مصادر الطاقة من نفط وغاز طبيعي وما شابه، انطلاقا من حرص الاتحاد الأوروبي على عدم الاعتماد على مصدر وحيد مثلما هو الحال مع كثير من أعضائه.

وستبدأ هذه العملية من خلال انضمام أوكرانيا ومولدافيا إلى الشراكة الأوروبية في مجال الطاقة، ثم من خلال تحرير سوق الطاقة وضخ الاستثمارات إلى قطاعات استخراج وإنتاج مصادر الطاقة، وهي استثمارات ضخمة ستصل قيمتها وفق ما أُعلن مؤخرا في براغ إلى حوالي 24 مليار يورو خلال الفترة بين 2007 و2013.

أما من الناحية الجيو ـ سياسية، فإن أهمية هذا التعاون ستنبع من حقيقة أن الاتحاد الأوروبي سيؤسس لشراكة معيّنة لا تزال غير واضحة المعالم مع دول تحيط بالمجال التأثيري والنفوذي لروسيا، تلك الدولة العظمى التي تقع حاليا على تماس مباشر مع طموحات وأحلام التمدد التي نلحظها بوضوح لدى الاتحاد الأوروبي وحليفه العسكري الناتو.

لكن ثمة في الاتحاد الأوروبي من يرى الأمور من منظار آخر، ويحاول بالتالي حصر ما يجري من خلال الهدف المعلن سابقا حول أمن الطاقة. وانطلاقا من هذه الرؤية فإنهم يحرصون على تحييد البعد العسكري لما قد يكون له من تأثيرات سلبية على ردة الفعل الروسية، وإن كانت الأخيرة ستكون حسب رأيي صارمة حتى لو أخذ التحرك الأوروبي بعدا مرتبطا بالطاقة لوحدها. فهذا الأمر يشكّل شريانا رئيسيا بالنسبة لروسيا واقتصادها، بل ربما لأمنها القومي أيضا.

في المحصلة قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي يتعامل مع الدول المذكورة آنفا باعتبار أنها إما دول منتجة للطاقة أو ناقلة لها عبر أراضيها. وهذا ينطبق حتما على دول مثل أوكرانيا وروسيا البيضاء، فالأولى تؤمن عبر أراضيها تصدير حوالي ثمانين بالمئة من الغاز الروسي إلى دول الاتحاد الأوروبي، في حين تؤمّن الثانية ما يقارب العشرين بالمئة من الغاز وثلاثين بالمئة من النفط الروسي.

أما الدول الأخرى الواقعة في القوقاز، فإن الاتحاد الأوروبي ينظر إليها بصفتها قد تكون مؤثرة مستقبلا فيما يخص نقل النفط والغاز، بالرغم من أن أهميتها حاليا ليست أقل بأي شكل من الأشكال، وخصوصا جورجيا التي هي بلد ترانزيت مهم جدا.

أما أذربيجان فيعلق عليها الأوروبيون كثيرا من الآمال بخصوص الدور الذي يمكن أن تلعبه مستقبلا في منطقة وسط آسيا، لكن أيضا كبلد مصدر أو ناقل للطاقة. ولا شك بأن الدول الأخرى ستتوزع أهميتها ضمن المدى الذي ستتمكن من التأثير فيه خلال المرحلة المقبلة، وتحديدا في ما يخص أمن الطاقة والاحتياجات الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي.

انطلاقا مما سبق لا نعرف فيما إذا كان هذا المشروع سيشكل فعلا نقيض الحلم الفرنسي لتحقيق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي ودول البحر الأبيض المتوسط، لأنه لو تم حصره ضمن هذا الأفق الضيق فإنه قد يشكّل محور الصراع المقبل حول الأولويات الاستراتيجية التي يجب على الاتحاد أن يتبنّاها. عندئذ لن يكون من المنطقي اعتبار ذلك تقصيرا من الرئاسة التشيكية، لأن الأمر سيصبح خيارا أوروبيا شاملا.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz