كيسنجر اليهودي، ووزير الخارجية الأميركي الأسبق هو أول من ابتدع سياسة الخطوة خطوة، ومنه استعارها الإعلام العربي، فبعد مرحلة من العمل الإعلامي المتلفز تسيدتها المسلسلات العربية المليئة بالغث والفاسد والمدمر للأخلاق وللمؤسسة الأسرية، جاءت مرحلة المسلسلات المتلفزة المكسيكية بكل ألوان الرذيلة والفاحشة والعلاقات الأسرية المنحرفة والشاذة، ففعلت فعائلها في تفسّخ البقية الباقية من القيم والتقاليد الموروثة؛ ثم ها هو دور المسلسلات التركية قد حان لتدشن عهداً مريراً ونكداً من الترويج للانحلال وللخيانة وأيضاً للعلاقات الأسرية المُنتنة.

ولكن باسم مجتمع مسلم هذه المرة، أي أن رذيلته وانحرافه قُدّمت بنكهة إسلامية، حتى تكون أوقع على النفس وأكثر توافقاً مع العاطفة الدينية؛ وعلى نفس هذا الإيقاع، كانت مزامير بقية الجوقة الإعلامية من السينما والصحافة والمطبوعات تنعق بلحن تشييع الفضيلة والشرف إلى مثواهما الأخير.

السؤال الذي كان يطرح نفسه مع بوادر كل عاصفة إعلامية، لماذا يتعامل الإعلام العربي مع الشارع العربي بهذا الخبث؟ ولماذا يروّج لبضاعة كاسدة في مجتمع له قيمه وثوابته المتميزة والمتصادمة مع كل طروحاته المتمادية في انحرافها، وقد كان الأحرى به أن يروج لبضاعة أكثر تقبلاً وانسجاماً مع أذواق المستهلكين؟

ثم ما هو سر هذا التقارب الشديد لدرجة التطابق في السياسات والثقافات والبرامج الإعلامية التي تكاد أن تجتاح مجتمعات العالم جميعها بلا استثناء، وتتحدث نفس اللغة وتعالج نفس القضايا بنفس الأسلوب ونفس الوصفات العلاجية؟

الآلة الإعلامية ككل شيء آخر مكونة من جزأين، جزء صلب أو مادي ويمثل الأدوات أو التقنية التي تنتج العمل الإعلامي وتعرضه، وجزء ليّن أو فكري أو منهجي ويمثل الرسالة أو الروح التي ترسم حركة تلك الأدوات وتوجهاتها، والإعلام العربي باعتباره منظومة إعلامية تابعة أو غير مستقلة أو غير مبدعة، لا يملك بالتالي الحرية ولا القدرة على المبادرة التي تتيح له التحكم في روح الإعلام ورسالته إلا بالقدر الذي يخدم الأنظمة السياسية.

وأقل القليل من احترام ثقافة المجتمع وتقاليده، وبالقدْر الذي يكفي لاستدراج ضحاياه تمهيداً للالتفاف على تلك الثقافة وطعنها في ظهرها؛ أما الآلة الإعلامية فلا يملك الإعلام العربي، بحكم الإفلاس المعرفي والفني والمهني.

وأيضاً بحكم التبعية الإعلامية، إلا اليسير من المكونات المحلية المتدنية المستوى التي تدخل في إنتاج العمل الإعلامي أو عرضه، وحتى لا تبقى المساحة الفارغة في الزمن الإعلامي كبيرة جداً، فإنه يجري ملؤها بذلك الغث والرديء والمتعفن والهابط من الأعمال الفنية المستوردة أو المعاد تدويرها أو استنساخها بمواصفات محلية، ولكن عن عمد وسبق إصرار وترصّد.

هكذا تبدو حقيقة الإعلام أكثر تجريداً، سواء أكان إعلاماً عربياً أم مكسيكياً أم تركياً أم هندياً، إنها بلا استثناء مجرد أذيال أو أذرعة أخطبوطية تتصل بالأخطبوط الإعلامي العالمي الذي تسيطر عليه الصهيونية العالمية، وتتلقى أوامرها وإشاراتها العصبية من نفس مراكز التفكير والتخطيط، وهذا ما يفسر الأدوار المزدوجة التي يمارسها الإعلام، الأول دوره التشويهي المتمثل في تدمير القيم والمبادئ والمفاهيم الثابتة للمجتمع.

وإعادة صياغتها وفق قوالبه الخاصة، معتمداً في ذلك على إضفاء اللمسات التجميلية على الرذيلة والانحلال والتفاهة، واستبدال العمق الثقافي بالسطحية وعدم التيقن والتبلد الفكري، وثقب الذاكرة لتفريغها من المضامين والتصورات لمعاني الوجود والحياة والوقت والإنسان والعلم والمال والعمل.

والثاني دور الإعلام التخريبي في اقتلاع الأجيال الجديدة من بيئتها وهويتها وثقافتها، ليعيد برمجتها وفق القيم والمبادئ والمفاهيم التي تخدم أهداف القوى العظمى والصهيونية العالمية، والإعلام بذلك يهدف إلى تربية أجيال جديدة عدائية السلوك ذات نفسية منحرفة لكي تعمل على مهاجمة القيم السلوكية لمجتمعها وعاداته وتقاليده وتحطيمها.

وذات فكر منحرف لكي تتناقض مع كل المبادئ الفكرية لثقافتها وهويتها، وذات تصورات منحرفة لكي تتصادم مع كل المفاهيم الحياتية لمعتقداتها وثوابتها؛ وبذلك يتمكن من جعل تلك الأجيال تتبنى القيم والمبادئ والمفاهيم التي يقوم الإعلام بتلقينها إياها، وتتقبلها إلى الحد الذي تنبذ من أجلها كل مجتمعها جملة وتفصيلاً، أو لا تختلف معها على أقل تقدير.

بهذه الكثافة من التضليل والتشويه الإعلامي، يكون الشارع العربي برجاله وأُسره وحكوماته ومجتمعاته في مأزق إعلامي يكرّس مأزقه التاريخي والحضاري، وهو مغيّب تحت سحابة سوداوية الخروج من قضاياه المصيرية، وتحت سحابة رمادية أخلاقياته وسلوكياته، وتحت سحابة اللالونية في ثقافته وهويته الحضارية؛ وهذا الكبت أو ما كان يسمى بالتعتيم أو الحصار الإعلامي يغلق كل منافذ الإضاءة التي قد يتسرب منها ولو شعاع واحد، لكي لا تظهر تلك الأشياء بألوانها وتفاصيلها الحقيقية.

وبهذا التضليل الذكي تصبح المادة إله الكون، وتصبح قضايا الأمة المصيرية انتهازاً للفرص وحسابات للأرباح والخسائر، ويصبح الدين مصحة للمعقدين والمعاقين فكرياً وثقافياً والقادمين من بين ركام الماضي، وتصبح الأسرة سجناً للحرية الفردية، وتصبح المرأة سلعة رخيصة للإثارة الجنسية وموديلاً للإعلان والترويج، ويصبح الطفل مشروع جرافة مستقبلية للهدم والإزالة، ويصبح الفن قطاراً سريعاً يستقلّه الباحثون عن الثروة والأضواء من أقصر الطرق.

وتصبح الرياضة أسلوباً للإلهاء ومحرقة للطاقات والأوقات والاهتمامات، ويصبح الاقتصاد طاحوناً استهلاكياً يأكل أخضر المجتمع ويابسه، ويصبح الفكر نفقاً لتمرير المبادئ المريضة والقيم السافلة، وتصبح مشاعر البشر وأحاسيسهم نوافذ تطل على مزابل الرذيلة وأقبية الجريمة، ويصبح الإنسان حرباء تتغير ألوانها بتغير الأوساط التي تتواجد فيها.

هذا الإعلام الذي نتغذى عليه أربعاً وعشرين ساعة في اليوم، هو إعلام عدواني في قمة الدهاء والخبث، أو بالأصح هو إعلام إرهابي يجرجرنا قهراً إلى اقتنائه وامتصاصه لانعدام الخيارات التي تناسبنا، والتي نستطيع أن نتنفس من خلالها خصوصيتنا وأذواقنا وثقافتنا وهويتنا، ثم لا يكتفي بذلك بل يصور لنا ضرورياتنا التاريخية والفكرية والثقافية وفق الأشكال التي تلغي وجودنا كمنافس.

أو التي تخدم مصالحه كعدو يغسل أدمغة أعدائه ويقلم أظافرهم ويمسخ أجيالهم عبيداً ينقلون له الأحجار التي يشيد بها صروح حضارته؛ ويغدو رجل الشارع العربي مسافراً يحمل متاعه الذي لم يختر أشياءه بنفسه، وعليه بالتالي أن يستخدم منها ما يجد لا ما يحتاج إليه، حتى وإن كانت سموماً بطيئة التأثير، وستؤدي حتماً إلى إلغائه وتصفية وجوده.

وفي أجواء هذه الغيبوبة البصرية وهذه الغيبوبة العقلية وهذه الغيبوبة التاريخية، لن يتمكن رجل الشارع العربي والإسلامي من إماطة الغشاوة عن وعيه ليرى مشهد شارعه على حقيقته، كئيباً بإضاءته الشديدة الخفوت، وبطيء الحركة بتهدم أرصفته وتشقق طرقاته ومسالكه، وموحشاً إلى حد الكراهية بأنين الأصوات القبورية التي تنعق فيه.

ومستهدفاً ليبقى كذلك قروناً آتية من المستقبل؛ لأن الصورة الصادقة لا ينقلها ضمير متعدد الولاءات، والحقيقة الساطعة لا يؤمن بها فكر متعدد الانتماءات، والرأي الحر لا يصدر عن إرادة متعددة المصالح، والهوية المتميزة لا تلتقي مع ثقافة متعددة الروافد.

كاتب إماراتي

akhalil@dcigroup.ae