الفساد لا وطن له، حتى في بريطانيا، الدولة الأوروبية الأعرق في مجال إرساء قواعد الديمقراطية، يدور هذه الأيام جدل حول الفساد الذي اشتركت فيه هذه المرة الحكومة مع نواب المعارضة في مجلس العموم البريطاني الذي يعتبر واحدا من أقدم المجالس النيابية في العالم.
حيث تمتد أصوله إلى القرن الثاني عشر الذي شهد أيضا موافقة الملك جون عام 1215 على إصدار وثيقة الـ (ماجنا كارتا) أو (العهد العظيم) التي أصبحت رمزا للحرية، واستُخدمت فيما بعد لتحقيق مطالب أخرى ترسخ مبادئ العدالة والمشاركة في نظام الحكم.
الفساد الذي تتحدث عنه بريطانيا كشفت عنه صحيفة الـ (ديلي تلجراف) في سلسلة تنشرها هذه الأيام وبدأتها بالكشف عن أن رئيس الوزراء البريطاني حصل على مبلغ ستة آلاف جنيه إسترليني دفعها مقابل تنظيف مسكنه على مدى عامين، لكنه دفع المبلغ لشقيقه لأن من يقوم بتنظيف مسكنيهما شخص واحد، حيث إن رئيس الوزراء مشغول جدا وليس لديه وقت للتعامل معه.
وتحت عنوان (كيف استطاع حشر كل هذا في شقة واحدة صغيرة جدا) نشرت الصحيفة مخططا لشقة من غرفتين لوزير الصحة (فيل هوب) وتفصيلا بجميع الأشياء التي اشتراها الوزير لشقته وكلفت الخزينة البريطانية 37 ألف جنيه خلال أربعة أعوام.
وبعد أن سلطت الصحيفة الضوء على مصروفات أعضاء الحكومة من حزب (العمال) انتقلت إلى المصروفات الشخصية لنواب حزب (المحافظين) المعارض الذي تنوعت التعويضات التي رفع الأعضاء الرئيسيون فيه طلبات بتغطيتها من خزينة المجلس بين تغطية تكاليف صيانة منازل ريفية أو بيوت فخمة بتكاليف بلغت عشرات الآلاف من الجنيهات.
وشملت القائمة طلب أحد النواب دفع راتب سنوي بلغ 14 ألف جنيه لموظف يقوم برعاية المنزل الخاص بالنائب، وطلب آخر بدفع ألفي جنيه لتنظيف نفق يحيط بمنزل ريفي لأحد النواب، ودفع تكاليف صيانة لمهبط طائرات عمودية.
وما زالت الـ (ديلي تلجراف) تواصل نشر سلسلتها المدوية حول نفقات نواب مجلس العموم البريطاني التي طالبوا بتغطيتها من ميزانية المجلس، وقد تركزت حلقة الجمعة الماضية – وهي الثامنة – على المصاريف التي طالب بها الوزير في وزارة العدل (شاهد مالك) أول مسلم يعين وزيرا في المملكة المتحدة، وقالت الجريدة إن (مالك) طالب منذ انتخابه في العام 2005 بالحد الأقصى المسموح به لتغطية نفقات المنزل الثاني وبقيمة بلغت 66 ألفا و827 جنيهاً إسترلينياً على مدى ثلاث سنوات.
واشتملت قائمة المصاريف التي طالب بها (شاهد) شراء معدات سينما منزلية بقيمة 2600 جنيه، وقد تقدم (مالك) باستقالته في اليوم نفسه بعد أن طلب رئيس الوزراء التحقيق في الموضوع بأسرع وقت ممكن، كما أبدى عدد من الوزراء والنواب الذين وردت أسماؤهم في السلسلة استعدادهم لرد الأموال، رغم أنها تمت وفقا للقانون والامتيازات التي تمنحها إياهم وظائفهم.
أما جريدة (التايمز) فقد وصفت يوم الخميس بأنه أحلك أيام البرلمان البريطاني، وأرجعت الجريدة ذلك لتطورات ملف مصروفات أعضاء مجلس العموم، فقد شهد الخميس تعليق عضوية نائب عن حزب العمال بعد حصوله على تعويضات رهن عقاري لمنزل كان قد انتهى فعليا من سداد قيمته.
كما فصل أحد المستشارين الكبار لزعيم حزب المحافظين بعد تلقيه مبالغ تقدر بعشرات آلاف الجنيهات تتعلق بمنزل ثان له في لندن، والأمر تكرر أيضا بالنسبة لتعليق عضوية نائب محافظ في مجلس العموم، كما أعلن الخميس تعليق عضوية اثنين من مجلس اللوردات في حادثة تعد الأولى من نوعها منذ عام 1640.
يقول (ديفيد لي) مساعد رئيس تحرير صحيفة (الجارديان) البريطانية والمسؤول عن التحقيقات بها، الحاصل على خمس جوائز صحفية، أبرزها (جراندا) للمحققين الصحفيين وجائزة (حرية إنجلترا) لإدارة الحملات الصحفية: (الفساد قضية عالمية، فأصحاب النفوذ يضعون قواعدهم في كل مكان، ودور الصحافة المستقلة هو الكشف عنهم، لكن في جرائم الفساد يكون كل شيء مختفيا وراء ستار).
نعود فنقول إن الفساد لا وطن له، وبريطانيا التي نضرب بها المثل في ظهور الفساد ليست هي (الجمهورية) التي تحدث عنها أفلاطون في كتابه الشهير على لسان أستاذه سقراط، وليست هي (المدينة الفاضلة) التي كتب عن آراء أهلها أبو نصر الفارابي.
وليست هي الـ (يوتوبيا) التي بشر بها السير توماس مور، لكنها على الأقل دولة عرفت الديمقراطية منذ ما يقارب التسعة قرون، يحكمها نظام انتخابي حر يختار سلطته التشريعية التي تنبثق منها سلطته التنفيذية، فإذا كان هذا يحدث في المجتمعات ذات الديمقراطيات العريقة، فما بالنا بالمجتمعات حديثة العهد بالديمقراطية.
وما بالنا بالمجتمعات التي تحاول أن تتشبه بها، وما بالنا بالمجتمعات التي لا يوجد بها نظام ديمقراطي يراقب المفسدين ويحاسبهم على ما اقترفوا من جرائم بحق المال العام الذي هم مسؤولون عنه أمام الله وأمام من أوكل لهم التصرف فيه؟
نحن لا نشمت بتلك المجتمعات التي يتكشف فيها الفساد يوما بعد يوم رغم القواعد التي تحكم منظومة الحياة فيها، لأن الفساد كما يبدو من طبيعة البشر والنفوس الضعيفة أمام إغراء المال والمنصب، لكننا نحسد تلك المجتمعات لأن فيها صحافة حرة تكشف هذا الفساد.
وتطالب بمحاسبة المسؤولين عنه ورد أموال الدولة التي أخذت بغير حق، ولأن فيها مسؤولين يملكون شجاعة الاعتراف بالخطأ ورد ما أخذوه بغير حق والاستقالة من مناصبهم، الأمر الذي لا نجده في كثير من المجتمعات رغم كل القيم الفاضلة التي تتحدث عنها دون أن نجد لها ظلا على الأرض، لأن سحب الفساد تغطي السماء ولا تسمح لضوء الشمس بالتسلل من خلالها.
كاتب إماراتي