فيرزح الجميع اليوم، من مستهلكين وشركات وجهات حكومية وهيئات عالمية ومنظمات أهلية، تحت أعباء أزمة مالية حادة تهز الأسواق التقليدية والإلكترونية، الأمر الذي ترك قطاع التسويق في مواجهة عاصفة من الكساد العالمي، الذي تحاول العلامات التجارية جاهدةً للنأي بموقعها وإرثها بعيداً عن سطوته.

فالأسواق كالمنتجات تماماً، تمر بمراحل النشوء والنمو والنضج والتراجع. أما العلامات التجارية، فتزداد رسوخاً مع مرور الزمن كونها تستمد مكانتها من مفهومها وقيمها وأدائها الثابت.

وقد لجأت شركات كثيرة هذا العام إلى خفض ميزانياتها المخصصة لقنوات التسويق التقليدية وغير التقليدية، فبدأ حضور العلامة التجارية بالانحسار، الأمر الذي قد ينعكس تراجعاً في أدائها على أقل تقدير، وبالتالي في حصتها السوقية المحتملة. وقد يترتب على ذلك تداعيات أكثر خطورة، على قاعدة «بعيد عن العين، بعيد عن القلب»، مما قد يترك انطباعاً سلبياً حول سلامة وضع الشركة ويؤدي إلى الابتعاد عن منتجاتها.

وقد أظهرت دراسة صادرة عن شركة «نيلسن» في مارس 2009 القدرة الكبيرة للجهود الإعلانية والتسويقية على التأثير في مدى ثقة المستهلك بالعلامات التجارية المالية.

وكشفت الدراسة عن أن «بعيداً عن العين» قد تعني حرفياً «خارج السوق»، لافتة إلى «أن المناخ الاقتصادي الحالي يستوجب من المؤسسات المالية تعزيز الثقة لدى عملائها أكثر من أي وقت مضى». وتشير هذه الدراسة بصورة واضحة إلى العلاقة الوطيدة بين الإعلان ومستويات الثقة، مما يؤكد أهمية الرسائل الموجهة عبر الإعلان والصحافة بالنسبة للعلامة التجارية».

ومع تراجع مستويات الإنفاق الإعلاني للمؤسسات المالية في عام 2008 بنسبة تزيد على 17% مقارنةً بعام 2007، أبدى 55% ممن شملتهم الدراسة ثقة أكبر بمؤسساتهم المالية لدى رؤية الإعلان الخاص بها، في حين أعرب 18% عن ضعف ثقتهم أو انعدامها.

ومع أن هذه الأرقام تمثل أكثر من نصف العينة، إلا أن الإعلان وحده لا يكفي لدعم صورة العلامة التجارية؛ بل يحتاج المسوقون إلى وضع حد للحديث عن استراتيجية الاتصال، والانصراف بدلاً من ذلك إلى تطبيق استراتيجية تمضي بالعلامة التجارية قدماً عبر توظيف إمكانياتها الداخلية. وعلى الشركات أن تدرك أن خبراتها هي بمثابة أصول حيوية لها في حال عدم وجود منتج تقوم بترويجه.

وفي الوقت الذي تُلقى فيه اللائمة على المؤسسات المالية ويلحق بها الأذى جراء سوء إدارتها، يتوجب على هذه المؤسسات الحفاظ على بقائها واستجماع قوتها لإشاعة الثقة بين عملائها وإبراز السمات الإيجابية للعلامة التجارية، مثل تحمل المسؤولية تجاه أصحاب المصلحة. ويمكن لهذا أن يتم بمنتهى الذكاء، حتى ومن دون الحاجة إلى إقرار ميزانية خاصة بذلك.

من المؤكد أن القطاع المالي في المنطقة لم يكن بمنأى عن تداعيات الأزمة العالمية الراهنة، لاسيما في دبي التي يزيد عدد مؤسساتها المالية المسجلة في مركز دبي المالي العالمي لوحده على 700 مؤسسة تتنوع مجالات أعمالها بين الخدمات المصرفية المؤسسية والملكية الخاصة والتمويل الإسلامي وصناديق التحوط. وهذا يطرح سؤالاً: ألا يستدعي وجود هذا الكم الهائل من الشركات والكفاءات المالية وقوفها صفاً واحداً لدعم قضية مشتركة، واستخدام ميزانياتها معاً لخدمة المجتمع وفي الوقت ذاته بناء الشهرة والقيمة لعلاماتها التجارية؟

في هذا السياق، عقدت غرفة تجارة وصناعة دبي مؤخراً اجتماعاً ضم المؤسسات المالية الرائدة في الإمارة لمناقشة المسؤولية الاجتماعية للشركات واستعراض دور مؤسسات القطاع المالي ومساهماته في هذا المجال.

إلا أن النقاش ليس كافياً، ولا بد من الاقتداء بمقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي: «الهدف واضح والطريق ممهد والساعة تدق، لا مجال للتردد، كثيرون يتكلمون ونحن ننجز».

لقد آن الأوان لنتذكر هذا الوعد ونتحرك قدماً نحو تنفيذه، وهذا يتطلب منا أن نكف عن رثاء أنفسنا والنهوض إلى مستوى الشعارات التجارية التي أطلقناها للعالم.

ويمكن لعملية التسويق أن تتم دون الحاجة إلى مورد مالي دائم أو خزان فكري مبدع. فهي لا تنحصر بالخدمات والبضائع فحسب، بل تتعداها إلى الخبرات والأشخاص والأماكن والملكيات والمؤسسات والمعلومات والأفكار. ويعّرف البروفسور فيليب كوتلر التسويق بأنه: «عملية اجتماعية يحصل الأفراد والمجموعات بموجبها على احتياجاتهم عبر إنتاج وتبادل المنتجات والقيمة مع الآخرين». إنها ترتبط بالنفاذ إلى الأذهان وليس إلى المحافظ.

وبناءً عليه، تعد المعرفة عاملاً مهماً في أي سوق أو اقتصاد، ويمكن استخدام المعرفة المتاحة للوصول إلى نتائج مبدعة من دون الحاجة للابتكار. وهنالك أمثلة كثيرة عن شركات تكافئ موظفيها على حسن توظيف الفكرة لا على الفكرة نفسها، من ضمنها «بريتيش بتروليوم» التي دأبت على منح جائزة «لص العام» لمن يستطيع تسخير أفضل الأفكار الموجودة في تطوير التطبيقات وفقاً لمبدأ أن الفائدة أهم من الابتكار.

لقد آن الأوان للتركيز على الامتيازات التي تتمتع بها دبي والعمل على توظيفها بالطريقة المناسبة، وأن نتذكر دوماً أنها تمتلك مورداً جاهزاً يتمثل في التركيبة السكانية الغنية التي تتكون مما يزيد على 200 جنسية مختلفة، تسهم جميعها في دفع عجلة التنمية الاقتصادية.

وهنالك مفهومان أساسيان في مجال التسويق يمكن تطبيقهما اليوم هما «تسويق العلاقات» و«التسويق المسؤول اجتماعياًس، ويمكن من خلالهما خدمة القضايا المتعلقة بالأخلاقيات والبيئة والمجتمع، وضمان الاستدامة على المدى الطويل، وبناء شبكات متينة من العملاء والشركاء، وقنوات تسويقية أخرى، فضلاً عن كونها قابلة للقياس ومجدية من حيث التكلفة.

وقد أطلق سميث بارني من «سيتي بنك» شبكة للمستثمرين الشباب تهدف إلى تثقيفهم بأهمية الاستثمار في المنتجات الصحيحة وتطوير ثقافة مالية للمستقبل. ويمكن لبرنامج كهذا من أحد مصارفنا الوطنية أن يزود شبابنا بأسس مالية متينة ويعزز تقديرهم للاستثمار الأخلاقي إذا ما لقي الدعم المناسب من وزارة التربية.

وتتنوع مبادرات المسؤولية الاجتماعية بشكل كبير، بما فيها «التسويق الاجتماعي للشركات» الداعم لحملات التغيير السلوكي؛ وسالتسويق الهادف» الذي يروج لقضايا اجتماعية عبر الرعاية، والإعلان، واتفاقيات الترخيص؛ و«الأعمال الخيرية للشركات»، حيث تقدم المؤسسات تبرعات مالية أو بضائع أو تخصص وقتاً لمساعدة الأفراد أو المجموعات أو المنظمات غير الربحية.

ويمكن للمؤسسات المالية اختيار أي من هذه المبادرات أو غيرها لبناء مصداقية علامتها التجارية، وفي الوقت ذاته دعم المجتمع وكسب ولاء العملاء؛ كأن تعمل مثلاً على تثقيف المستهلكين حول مسألة الديون الشخصية أو مساعدة أصحاب الدخل المحدود على إدارة دخلهم والعيش ضمن حدود إمكانياتهم.

أو يمكنها التعاون مع الجامعات لتثقيف الطلاب حول أهمية الانخراط في القطاع المالي، ومساعدتهم على استيعاب تجارب الماضي للاستفادة منها مستقبلاً، أو تنشئة الصغار على أهمية الادخار وإدراك مخاطر الاستدانة.

نحن الآن في قلب العاصفة، وهذه فرصة لمعرفة مكنون العواصف، وتوحيد جهود جميع مؤسسات القطاع المالي لاجتياز الأزمة والوصول إلى شاطئ الأمان، والانتقال بالعلامات التجارية من اقتصاد الحصة السوقية إلى انطباع راسخ في أذهان المجتمع.

كاتبة إماراتية

amina@zabeelinvestments.com