منذ سنوات طويلة لم تكن الظروف مهيأة أمام العرب كما هي الآن لتوجيه ضربة قوية للمشروع الصهيوني وفرض السلام العادل في المنطقة وتحقيق اختراق حقيقي لصالح القضية الفلسطينية.. ومع ذلك فالخشية كل الخشية ألا نحسن نحن التعامل مع هذه الظروف، وألا نجيد اللعب بالأوراق التي في أيدينا، وان نترك العدو يهرب من الحصار المفروض عليه، وأن نتيح له الفرصة ليحصل في النهاية علي المزيد من تنازلاتنا المجانية!!
نعم.. كل الظروف مهيأة لتحقيق اختراق حقيقي لصالح القضية الفلسطينية. فالعدو في مأزق حقيقي.. يحاصره العالم بالإدانة ويطارد قادته طالباً محاكمتهم على جرائمهم في حق الشعب الفلسطيني والعرب والإنسانية كما تناولنا بالتفصيل في الأسبوع الماضي.
ومحاولة خداع الغرب بتقديم نفسه على انه واحة الديمقراطية في المنطقة انكشفت في النهاية على كيان يمارس أبشع أنواع النازية والعنصرية. والآلة العسكرية الإسرائيلية التي كانت تقدم نفسها على أنها الحارس لمصالح الغرب في المنطقة تنتقل من هزيمة في لبنان 2006 إلى أخرى في غزة بعد عامين. والحكومة الإسرائيلية التي يقودها نتانياهو ــ ليبرمان أصبحت بالنسبة للعالم كله خطراً يهدد باشتعال المنطقة.
والقرار الأميركي في شؤون المنطقة والذي كان لسنوات رهينة في يد إسرائيل منذ أن نجحت العصابة اليمينية الصهيونية في السيطرة على البيت الأبيض وجعلت من العرب والمسلمين أعداء للحضارة الغربية التي يجسدها تحالف الصهيونية المسيحية مع الصهيونية اليهودية..
هذا القرار لم يعد كذلك الآن بعد أن أدركت أميركا حجم ما خسرته من هذه السياسة التي جعلتها تدمر دولة مثل العراق من اجل مصلحة إسرائيل، والتي جعلتها تدفع الثمن عداء وكراهية لم يسبق لهما مثيل في العالمين العربي والإسلامي.. بل في كل أنحاء العالم.
ليكون القرار مع مجيء إدارة أوباما أن السلام في المنطقة مصلحة أميركية، وأن المصالحة مع العالمين العربي والإسلامي أمر ضروري، وأن الحوار ــ وليس المواجهة ــ هو الطريق لحل الخلافات معهما. وفي ظل كل هذه الظروف تعمل أميركا على بلورة خطتها أو مشروعها لتسوية شاملة للصراع العربي ــ الإسرائيلي. وتتحرك الدول الأوروبية للتنسيق مع أميركا، وتتحرك إسرائيل لمواجهة كل ذلك.. فأين نحن من كل ذلك؟!
إن عجلة الأحداث تتحرك بسرعة، وخلال أسابيع سيذهب الرئيس المصري مبارك والرئيس الفلسطيني أبومازن للقاء الرئيس الأميركي في واشنطن، الذي سيلتقي أيضاً رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل أن يأتي إلى القاهرة ليوجه رسالته المهمة إلى العالم الإسلامي من قلب الوطن العربي بكل ما يعنيه ذلك من دلالات. إنها معركة بالغة الأهمية، وستخوضها إسرائيل بكل قواها، وعلى كل الجبهات، لتفلت من متطلبات السلام.. فماذا سنفعل نحن؟..
وكيف نستفيد من هذه التطورات، وكيف نحقق أكبر عائد من زيارة الرئيس الأميركي ولا نكرر ما حدث مع رؤساء أميركيين سابقين، أو ما حدث مؤخراً مع بابا روما الذي كان يمكن أن نفعل المستحيل لنستغل زيارته لكي نعرض على العالم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني والقدس الأسيرة بدلاً من أن نترك المجال لإسرائيل لاستغلال الزيارة في تبييض صفحتها والتقليل من آثار جرائمها التي تتوالي الإدانات الدولية لها؟
كنت أتصور أن يكون لدينا فريق عربي على أعلى مستوى يتولى التنسيق والمتابعة في هذه الظروف الدقيقة، ويعبر الخلافات العربية ــ العربية، ويلتزم موقفاً واحداً في هذه المواجهة. يستغل كل الإمكانيات العربية لاستمرار الحصار على إسرائيل وتعرية مواقفها. يواصل الاتصالات بمراكز التأثير في أميركا وأوروبا، يتصدى لجهود إسرائيل واللوبي الصهيوني. يضع كل الاحتمالات لما ستطرحه الإدارة الأميركية، وهل سيكون عادلاً حقيقة.. أم أن النفوذ الصهيوني سيكون له تأثيره؟
فريق عربي على أعلى مستوى من التنسيق يتصدى للعبة الإسرائيلية الجديدة التي تحاول الالتفاف على القضية والإفلات من الحصار بالحديث عن «شراكة» مستحيلة يمكن أن تجمعها مع العرب ضد إيران! نعم.. هناك مشكلات معلقة بين إيران والدول العربية ينبغي أن تحل بالحوار، أما العدو فيبقى هو الذي يغتصب فلسطين ويقوم بتهويد القدس ويهدد أمن المنطقة ويرفض كل جهود السلام.
نحتاج لإدارة عربية مشتركة على أعلى مستوى في هذه الفترة، تدرك أننا لسنا أمام طرف إسرائيلي قادر على صنع السلام. وأن الهدف في هذه المرحلة ينبغي أن يكون تشديد الحصار الدولي عليه، وانتزاع موقف أميركي وأوروبي لا يكتفي بالحديث المبهم عن «حل الدولتين» رغم أهميته، بل يؤكد أن حدود الدولة الفلسطينية المقترحة هي حدود 67 بما فيها القدس العربية، وعدم شرعية كافة المستوطنات.
وفي نفس الوقت يرفض أية ضغوط لتعديل المبادرة العربية ولو بحجة تفسيرها (!!) حتى لا نفاجأ بعد حين، ان كل هذا المناخ المناسب لتحقيق تقدم حقيقي في استعادة الحقوق العربية المغتصبة، لم يثمر إلا تنازلاً عربياً جديداً.. وبالمجان!!
كاتب صحافي مصري