«إيران أولاً» كما تقول إسرائيل وفي الحقيقة إيران أولاً وأخيراً أم «فلسطين أولاً» كما تقول الإدارة الأميركية. أيهما الباب الأفضل للدخول إلى تسوية مشكلات الشرق الأوسط. نحن أمام صدام مقاربات بين الحليفين الاستراتيجيين والصديقين التقليديين وليس من المنتظر بالطبع ان تتم تسوية صدام المقاربات هذا في قمة 18 مايو الجاري في واشنطن.

القمة التي ستجمع الرئيس أوباما ورئيس وزراء إسرائيل نتانياهو صدام مقاربات تشهدها العلاقات المميزة الأميركية الإسرائيلية دون ان يعني ذلك بالطبع الوصول حتماً إلى خلاف سياسي مفتوح أو إلى أزمة حادة في العلاقات بينهما.

مقاربة «فلسطين أولاً» التي تحملها أميركا أوباما ترتكز على منطلقات خمس، أولاً ان تسوية المشكلة الفلسطينية هي المفتاح لتغيير الصورة الأميركية في العالمين العربي والإسلامي، وثانيها ان تسوية هذه المشكلة تساهم في إحداث تغيير أساسي في البيئة الاستراتيجية في المنطقة باعتبار ان القضية الفلسطينية هي المصدر الأساسي وان لم يكن الوحيد للتوتر والراديكالية والاصطفافات في المنطقة.

وثالثاً ان تسوية القضية الفلسطينية تسهل أحداث اصطفاف لمصلحة الولايات المتحدة في «الحوار الاستراتيجي» الأميركي الإيراني يشكل عنصر ضغط إضافي وأساسي على إيران ويسهل انتزاع تنازلات في الملف النووي وغيره من هذه الأخيرة حسب هذا المنطق. ورابعاً ان تسوية القضية الفلسطينية والنزاع العربي الإسرائيلي صارت عناصره معروفة وعنوانه الأساسي هو حل الدولتين اللتين تعيشان جنباً إلى جنب .

وبالتالي كل ما يجب فعله هو وضع القطار على السكة باعتبار ان وجهة الرحلة معروفة ومتفق عليها، مع التذكير هنا بأن هذا الاتفاق لم يعد يشمل على الصعيد الرسمي الحكومة الإسرائيلية الحالية ولو ان الحكومات السابقة كانت تلتزم به رسمياً دون ان تلتزم به فعلياً، وخامساً ان هذه القضية لها جانب إنساني أساسي يتعلق بمعاناة الشعب الفلسطيني وانه حان الوقت لوضع حد لهذه المعاناة في عصر الصورة والتي تؤثر في مواقف الكثيرين خارج العالم العربي.

وعلى صعيد آخر تستند مقاربة «إيران أولاً» عند الحكومة الإسرائيلية إلى منطلقات خمس أيضاً: أولها وأهمها دون شك ما يعرف بعقيدة بيغين وقوامها عدم السماح من منظور إسرائيل لأي طرف في المنطقة بامتلاك ولو الحد الأدنى الممكن من العنصر النووي باعتبار ان ذلك يفقد احتكار إسرائيل للعنصر النووي ويفقد إسرائيل بالتالي قدرة الحفاظ على التفوق الردعي النوعي الكلي.

ثانياً احتواء انتشار وتوسع النفوذ الإيراني في المنطقة في إطار منطق المواجهة الاستراتيجية بين القوى الأساسية في الشرق الأوسط التي تأخذ منحى أبعد وأكثر حدة مع خطاب الرئيس الإيراني التي ترى إسرائيل انه يساعدها في رفع درجة التعبئة داخلياً ودولياً وراء سياستها الصدامية التي تحمل عنوان إيران النووية خطر وجودي على إسرائيل.

ثالثاً هذه المنطلقات تخوف وقلق إسرائيلي من حدوث تحول في الموقف الأميركي في لعبة السباق مع الزمن إذ ترى التقديرات الإسرائيلية ان إيران ستحصل على القدرة النووية العسكرية في فترة زمنية تراوح بين عام وعامين وان هنالك أفكاراً قد بدأت تتسرب ولو بشكل خجول في المؤسسة الاستراتيجية الأميركية من نوع انه أسهل القبول بقنبلة إيرانية من اللجوء إلى حرب ضد إيران وانه يمكن القبول بما يعرف «بالخيار الياباني» في إيران كأن تمتلك إيران قدرة صنع قنبلة من خلال امتلاكها للتخصيب المرتفع لليورانيوم دون صنع تلك القنبلة وبالتالي محاصرة ذلك ضمن هذا المنطق دائماً، بضمانات وعدد من «الجزرات» تمنع إيران من التحول إلى النووي العسكري.

أو كما يرى البعض الآخر ان فرضية حصول إيران على قدرة نووية عسكرية ستؤدي إلى استقرار في الميزان النووي في الشرق الأوسط حسب مبدأ قدرة التدمير المتبادل الذي كان ناجحاً في إقامة استقرار بين القوتين العظميين، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي طيلة فترة الحرب الباردة.

رابع هذه المنطلقات الخوف الإسرائيلي من صفقة كبرى أميركية إيرانية تبقي لإيران ورقة النووي وتكرس لها في الوقت ذاته موقعاً كبيراً كشريك أساسي في سياسات الشرق الأوسط وفي «لعبة القوى» في المنطقة ويرى بعض الإسرائيليين ان واشنطن في سياق هذا الاتجاه وقد ظهرت بوادر منه قد تتحول إلى دعوة القوى النووية غير الموقعة على معاهدة منع الانتشار النووي إلى التوقيع على هذه المعاهدة.

وقد ظهر مؤشر مقلق من منظور إسرائيلي على هذا الأمر عندما دعت مسؤولة في وزارة الخارجية الأميركية كل من إسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية للانضمام إلى هذه المعاهدة، والإشارة إلى إسرائيل تشكل سابقة خطيرة في حد ذاتها من منظور تل أبيب باعتبار انه قد يفرض عليها إحداث تغيير في استراتيجيتها النووية الردعية والقائمة على الغموض والذي جرى تفاهم إسرائيلي أميركي حولها عام 1969.

ويتخوف الإسرائيليون أيضاً من سياسة نزع العنصر النووي دولياً التي ينادي بها أوباما إذ يرى البعض في إسرائيل ان أوباما قد يرفع عنوان «ديمونا مقابل ناتاز» أو إجراء مقايضة بين النووي الإسرائيلي والإيراني ويبقى ذلك سيناريو مطروح عند البعض في إسرائيل كما يقول الوف بن ولو انه مستبعد عند الكثيرين.

خامس منطلقات استراتيجية «إيران أولاً» سياسة إعادة التصويب الإسرائيلية في المنطقة من فلسطين نحو طهران للهروب والتهرب من استحقاقات السلام العربي الإسرائيلي وتحديداً في المجال الفلسطيني وقلب الأولويات ضمن لعبة عنصر الوقت والتهرب من الاستحقاقات المطلوبة.

بين هاتين المقاربتين تقدم وزيرة خارجية إسرائيل السابقة تسيبي ليفني أفكاراً محددة تحت عنوان السلم الإقليمي الذي تتحدث عنه أيضاً وزيرة الخارجية الأميركية. أفكار تقوم على التطبيع التدريجي مع العرب، تلاقي ترحيباً في واشنطن، كل ذلك بغية تجسير الفجوة بين المقاربتين.

فيما يذهب افرايم سنيه وزير الصحة والنقل ونائب وزير الدفاع السابق في إسرائيل في محاولته لتجسير هذه الفجوة لبلورة ما يسميه «رزمة تفاهمات» بين إسرائيل والولايات المتحدة بغية إحداث تقدم ملموس نحو التسوية الإسرائيلية الفلسطينية ونحو بلورة سياسة أميركية إسرائيلية مشتركة تجاه إيران في الوقت ذاته.

لكن أفكار سنيه لا تتعدى كثيراً مقترحات نتانياهو إلا في مجال تجميد بناء المستوطنات والطرق التي تربط بينها، وهي بأي حال تشكل مادة حوار بين واشنطن وتل أبيب بغية استخلاص موقف موحد في هذا المجال خاصة ان واشنطن وعدت بوضع إطار زمني لحوارها مع إيران على الأقل في مرحلته الأولى بغية طمأنة إسرائيل.

عشية القمة الأميركية الإسرائيلية وعشية خطاب أوباما في القاهرة الذي لا بد ان يحمل خريطة طريق أو يقدم أفكاراً محددة لإطلاق قطار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية بشكل خاص من أجل تعزيز مصداقيته أمام العالمين العربي والإسلامي باعتبار ان نافذة الفرص ستقفل بعد ذلك.

ولا يمكن الانتظار طويلاً في سباق مع الزمن الإسرائيلي خاصة الناشط في إلغاء شروط قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، عشية ذلك كله هل سيتحول صدام المقاربات إلى خلاف سياسي فيما لو حاولت واشنطن الذهاب في أجندة للسلام في القضية الفلسطينية لجر إسرائيل إلى ذلك أم ستخضع للسرعة والاعتبارات والشروط الإسرائيلية والتي ستغرق فيها مجدداً وعود السلام.

سؤال آخر هل ستذهب إسرائيل وحيدة دون غطاء أميركي غير موجود أساساً في مشروع حرب ضد إيران ستكون نتائجها كارثية على المنطقة أم سيكون عنوان المرحلة القادمة معادلة إسرائيلية قوامها: لا حرب ضد إيران مقابل لا سلام مع العرب بانتظار دبلوماسية واشنطن الانخراطية التي قد تنجح في التوصل إلى تسويات صغيرة تقوم على احتواء التوتر وإدارة النزاعات، تحاول إسرائيل عبرها فرض شروطها على إيران أو قد تلجأ إسرائيل إلى حروب صغيرة بديلة قد تجد إسرائيل ان القيام بها قد يساهم في تحسين وضعها الإقليمي.

كاتب لبناني

hitti@wanadoo.fr