تحدث الرئيس الأميركي باراك اوباما عن كل شيء تقريبا، بالأصح عن أهم ما يشغل بال الأميركيين والعالم أيضا. لقد تحدث واتخذ إجراءات عديدة لمواجهة الأزمة المالية وتبعاتها في الولايات المتحدة وتوافق مع شركاء عالميين في قمة العشرين على إجراءات لمواجهة تبعات الركود الاقتصادي على الاقتصاد العالمي.

بعث برسائل التهدئة والحوار لمن يهمهم الأمر؛ أعداء الولايات المتحدة، وصافح واحدا منهم (هوغو شافيز).

أما نحن العرب والمسلمون فقد خصنا بأكثر من لفتة: أول مقابلة تلفزيونية مع محطة تلفزة عربية، رسائل متكررة يؤكد فيها احترامه للإسلام، انحناءة احترام (مبالغ فيها قليلا) لدى مصافحته الملك عبدالله بن عبد العزيز في قمة العشرين بلندن الشهر الفائت، أعلن تأييده الواضح لحل الدولتين، رسائل حوار لإيران، رسالة للعالم الإسلامي من تركيا وأخرى في الطريق سيبعث بها من مصر قريبا.

هل نسيت شيئا؟ ربما، لكن ثمة أمر واحد لم يتحدث عنه أوباما ولا أي من أركان إدارته، لا تصريحا ولا تلميحا: «الإصلاح». لقد أحيط اوباما منذ حملته الانتخابية بهالة «المصلح» أو ربما شاء الكثيرون أن يعتقدوا ذلك، لأن «التغيير» كان كلمة السر في حملته التي شدت الأميركيين والعالم من الآذان.

لكن اوباما ليس «إصلاحيا» بالمعنى الشائع (تهذيب لمفردة مبتذل) للكلمة. ففيما يسعى الجمهوريون على الدوام إلى تشبيهه برئيس أميركي سابق هو جيمي كارتر وهو تشبيه هجائي لضعف مفترض لكارتر، فإن باراك حسين اوباما أكثر شبها برئيس أميركي جمهوري سابق هو ريتشارد نيكسون، مثلما يحاجج مايكل فريدمان: «.. جعل كارتر من حقوق الإنسان حجر الزاوية لسياسته الخارجية، في حين صرف فريق أوباما النظر عن تلك المسألة».

ويضيف «..أوباما رجل شديد الواقعية، مثل نيكسون، يتحاشى خوض البناء الغامض للديمقراطية ويركز على تعزيز المصالح القومية». (مايكل فريدمان: «الواقعية الجديدة ـ أوباما ليس جيمي كارتر إنه ريتشارد نيكسون»، مجلة نيوزويك 5 مايو 2009).

وحسب المخطط السابق في وزارة الخارجية الأميركية ريتشارد هاس، فإن دفع حكومات العالم نحو «الدمقرطة» وتحسين أوضاع حقوق الإنسان أو الكف عن ذلك، هو واحد من ثنائيات عديدة تحكم السياسة الأميركية منذ أمد بعيد.

الجدل مطروح الآن حسب هاس الذي يقول ان «المناقشة الأكثر إلحاحاً هي تلك الدائرة بين هؤلاء الذين يعتقدون أن الغرض الأساسي للسياسة الخارجية الأميركية لابد وأن يدور حول التأثير في السلوك الخارجي للدول الأخرى وهؤلاء الذين يرون أن ذلك الغرض لابد وأن يدور حول تشكيل الطبيعة الداخلية لهذه الدول (..) الواقع أن النقاش بين الواقعيين والمثاليين حاد وقديم». (ريتشارد ن هاس: «عودة الواقعية الأميركية»، خدمة بروجيكت سيندكيت على الانترنت:

www.project-syndicate.org)

وحسب هاس أيضا فإن جورج دبليو بوش (على العكس من والده جورج بوش الأب) «كان آخر (المثاليين) الداعين إلى جعل الترويج للديمقراطية أولوية رئيسية للسياسة الخارجية للولايات المتحدة». ويضيف هاس «لقد ذهب جورج دبليو بوش إلى الحرب في العراق في عام 2003 بهدف تغيير الحكومة العراقية.

وكان يتصور أن تغيير النظام في بغداد من شأنه أن يقود إلى تأسيس نظام ديمقراطي في العراق، وهو التطور الذي سيؤدي بدوره إلى تحول الأنظمة في المنطقة بالكامل حين ترى الشعوب في أماكن أخرى من العالم العربي هذا المثال فتسارع إلى إرغام حكوماتها على الاقتداء به».

إذا.. باراك اوباما ليس مثاليا مثل بوش، بل واقعي مثل نيكسون و«الإصلاح» ليس على جدول أعماله.. هل هذا خبر سيء أم جيد للإصلاحيين العرب ولكل أولئك الذين علقوا آمالهم على ضغوط أميركية مفترضة على النخب الحاكمة لتحقيق إصلاحات في البلدان العربية؟

هذا التغيير الحاصل في أولويات السياسة الخارجية الأميركية هو أول إشارة للإصلاحيين العرب تعيد تذكيرهم بأن الإصلاح ونمو المجتمعات هو محض نمو ذاتي ويتعين أن يكون طبيعيا وليس مفتعلا ولا يمكن أن تفرضه قوة خارجية مهما كانت القيم التي تبشر بها سامية.

لكن عليهم أن يتذكروا أيضا أن قوة الدفع لإصلاحات جورج دبليو بوش المفترضة، توقفت تقريبا منذ العام 2004 في منتدى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي عقد في الرباط، عندما آثر الأميركيون المصالح الاقتصادية والإصلاح الاقتصادي على الإصلاح السياسي والمؤسسي.

لقد بلغ هذا التغيير ذروة عندما اصطدمت واشنطن بنتائج ما كانت تدعو إليه من «دمقرطة»؛ لقد أتت صناديق الاقتراع في العراق وفلسطين ومصر (بدرجة أقل) بأعداء واشنطن إلى الحكم ومواقع صنع القرار.

معظم الإصلاحات التي شهدناها في بلداننا العربية، كانت ضرورية بدرجة ما، لكن ليس انتصارا لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل للتأهل لمقاييس اتفاقيات التجارة الحرة مع الولايات المتحدة. ومنذ العام 2005 وحتى اليوم، تسارع العد العكسي في بلداننا العربية وباتت المؤشرات أكثر إقلاقا: تراجع في حرية التعبير، وقوانين مقيدة تتوالى، محاكمات للناشطين والصحافيين، مضايقات وسجن مرشحين لانتخابات رئاسية والشرطة في أكثر من بلد لا تتردد في إظهار قدر غير قليل من الشراسة في مواجهة المتظاهرين حتى أولئك الذين يحتجون على هموم معيشية.

أما المنتديات وورش العمل والموائد المستديرة وحلقات النقاش التعليمية وبرامج الزيارات، فقد توقفت بالكامل ولم يعد أحد يسمع عن مبادرة الشراكة الأميركية الشهيرة «MIPI» وبرامجها العديدة. ولم يعد الصحافيون ولا الاصطلاحيون يتلقون دعوات من السفارات الأميركية للقاء متحدثين أميركيين، وبدا ولو أن الإصلاح و«الدمقرطة» لم تكن أكثر من موضة راجت لفترة وأفاق الجميع الآن على عودة متجددة إلى موضة قديمة ومفضلة دوما.. ها قد عدنا إلى الواقع.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh