لم يبق إلا شهر ونصف الشهر على انسحاب القوات الأميركية من المدن العراقية، ويأمل الكثيرون أن يعود الاستقرار للعراق بانسحاب القوات الأجنبية الموجودة فيه، هذا الوجود الذي تستخدمه بعض الميليشيات كمبرر لشن هجماتها الانتحارية، والتي غالبا ما يروح ضحيتها مدنيون أبرياء، وتدمر فيها منشآت كثيرة شملت حتى المساجد. ومن المؤمل إذن أن يمهد انسحاب هذه القوات الطريق لتحول الصراع في العراق إلى صراع سياسي في فضاء ديمقراطي يركز على المصالحة الحقيقية البعيدة عن الطائفية.

أميركا اليوم ليست أميركا بعد أحداث 11 سبتمبر، عندما بدأت القوة العظمى الوحيدة الثأر والحروب الاستباقية لتغيير الأنظمة، ونقل المعركة إلى أرض العدو، فيما هي اليوم تريد خصخصة الحروب والجيوش التي باتت تكبلها بتركة اقتصادية ثقيلة، على وقع شظايا العراق وأفغانستان، المكبدة الخزينة الأميركية 140 مليار دولار سنوياً.

لكنها تسعى على الأرجح اليوم إلى التعامل مع كل القوى العراقية لدفعها لقبول صيغة تناسب المصلحة الأميركية ما بعد الانسحاب، وهو الفخ الذي يجب أن تحتاط له التشكيلات السياسية، من خلال التكتل لإيجاد قوة سياسية تواجه كل المخططات الرامية إلى نشر الطائفية في العراق بما يساهم للتدخل الأجنبي في شؤونها السياسية باسم الحفاظ على أمن العراق.

الأزمات التي أوجدها الاحتلال كزرع الورقة الطائفية، وإشعال الحرب داخل النسيج الاجتماعي العراقي جوبهت بصمود وحكمة الشعب العراقي الصابر، الذي نجح في مواجهة العاصفة، التي جاءت من الخارج بالمطاولة والمقاومة، وإدراكه لأهمية الوحدة الوطنية التي تصاعدت وتائرها حتى مع وجود الاحتلال، مما خيب كل المخططات لضرب الوحدة الوطنية بالتماسك، ونبذ التحريك الخارجي، والتمسك بالثوابت الوطنية، التي حافظت على اللحمة الوطنية للشعب العراقي.

إن العراق مقبل على متغيرات سياسية، واقتصادية، ونفسية، واجتماعية مهمة، خاصة إذا ما تخلص من الاحتلال خلال الفترة المقبلة، وهذا يتطلب من كافة القوى الوطنية التكاتف لبناء العراق، ونبذ الخلافات، والاعتراف بكل القوى التي يهمها التخلص من الاحتلال، والحفاظ على وحدة وسيادة العراق لان التهميش والإقصاء لا يخدمان مسيرة العراق ووحدته الوطنية.

إن الانسحاب الأميركي من العراق هو علامة فارقة في المشهد السياسي العراقي، وتأكيد واضح أن الاحتلال قد بدأت ملامح اندحاره بالظهور بشكل جلي، لتنتصر إرادة الشعب العراقي في النهاية في بناء عراق ديمقراطي، في انتظار الانسحاب الحقيقي في 2011، ولكن للحفاظ على مثل هذا الفضاء الديمقراطي لا بد من جيش مؤهل وقوات أمنية جيدة التدريب تسهر على الدستور وتحمي التراب العراقي.