ماذا يجري على أرض أبو الديمقراطية الخليجية، الإنسان عبد الله السالم الصباح، ذلك الإنسان الذي جعل من أرض الكويت بلاداً للعرب كلهم، والذي أرسى قواعد العقد الاجتماعي على المستوى الخليجي، كما وضع أول دستور على مستوى دول مجلس التعاون، وعلى الرغم من مضي عقود عدة على هذا الدستور إلا انه يتسم بالكثير من الديمقراطية التي أعطت الكويت نكهة خاصة تستحوذ تجربتها على اهتمام الكثيرين، ليس على مستوى دول مجلس التعاون فحسب، بل على مستوى الوطن العربي.

عبد الله سالم الصباح هو نفسه الحاكم العربي الذي وضع عائدات النفط في خدمة الأمة العربية، وخاصة في مرحلة كانت القوى العالمية تحارب الأمة العربية والإسلامية، ذلك الإنسان الذي نظم العلاقة بين السلطة وبين عامة الناس، تقوم على المشاركة، وهو الذي رسخ مبادئ الحركة الديمقراطية منذ حركات الإصلاح في القرن الماضي، رسخ المبدأ «إن العقد الاجتماعي هو الذي يحدد العلاقة بين الجميع». وترسيخ المال لخدمة الإنسان نحو الدولة المدنية، ونحو ردم الفجوة بين السلطة والشعب.

كانت الكويت التي تسعى نحو التطور التدريجي للمجتمع الذي يقوم على التلاحم الاجتماعي بين الطبقات الاجتماعية. ولعل الجميع يتذكر تلك المرحلة بالخير، وخاصة في مرحلة الستينيات من القرن الماضي، فهو الذي أنشأ لجاناً عديدة لخدمة الإنسان أينما كان، سواء على مستوى الجزيرة العربية أو الوطن العربي.

لم يكن في أي شكل من الأشكال متحيزاً لأي فئة من الفئات، ومن هنا كان شعاره: الإسلام والعروبة، وبذلك جعل الكويت بلد العرب، وهو بذلك كان قومياً وعربياً، أكثر من الكثير ممن رفعوا شعارات عربية وقومية في ذلك الوقت.

كان الرجل من نتاج المرحلة الليبرالية في العقد الثالث من القرن الماضي، مرحلة الليبرالية ومرحلة التحرير من قيود المرحلة الاستعمارية التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، وكان مثله العديد من حكام الجزيرة العربية، وخاصة في المدن التجارية، بالرغم من قيود الاستعمار البريطاني في المنطقة حينذاك، إلا أنها كانت المحاولات الأولى للتطور في المجتمع التجاري، ودور العلاقات المتعددة مع الخارج.

ربما يطرح الآن سؤال: ما هو الهدف من هذا الحديث عن التاريخ، فنحن نعيش في القرن الحادي والعشرين، وفي ظروف تختلف عما كان عليه الأمر في الستينات من القرن الماضي، حينما كان التصويت لصالح القوى القومية مثل د. أحمد الخطيب وجماعة الطليعة، فما هو الدافع للحديث عن التجربة الكويتية في هذا الوقت بالذات؟

هنا أدركت أننا في الوقت الراهن، بين عهدين، وربما في مرحلة مختلفة، وضمن تحالفات مختلفة، وضمن معطيات مختلفة، بين حقبة المد القومي السابق، ذلك المد الذي بدأ في الانتشار منذ منتصف الأربعينات من القرن العشرين، وبين تيار الإسلام السياسي الذي وجد مكانه في الكويت في السبعينات من ذلك القرن.

حينما سيطر ذلك الاتجاه على الاتحاد الوطني لطلبة الكويت، حين ذلك بدأت حقبة جديدة على الساحة السياسية الكويتية، حينما سيطر ذلك التيار على الحركة الطلابية الكويتية، وبجدارة، إلا أنه ونتيجة أخطاء الحركة الطلابية الوطنية في الكويت بدأ المد الإسلامي السياسي، وكان من الواضح أن حقبة جديدة قد بدأت، في ظل تحالف بين سلطة ترى أن التهديد الحقيقي لها يأتي من القوى الليبرالية الوطنية، في حين أن هناك حركة سياسية إسلامية استخدمت سياسة الغاية تبرر الوسيلة حتى وصلت إلى مفاصل السياسة الداخلية.

وخاصة في ما يتعلق بالأمور المالية، حتى استطاعت أن تسيطر على معظم اقتصاد الكويت، وعلى أهم مراكز النفوذ المالي بجميع أشكاله الحكومي والعام والخاص، آخذين بين الاعتبار أن مؤامرة 1967، والتي كان من أهم نتائجها اختلاط الأوراق السياسية وإعادة طرح السؤال التاريخي: ما العمل؟ وعودة الوعي بأن ما طرح في السابق من مشاريع، لم تكن البنية القومية أو التحتية قد استعدت له، بالرغم من الخطابات السياسية والشعارات.

كانت تلك مرحلة أولى من مراحل التحكم في المفاصل السياسية، إلا أن التحولات المتلاحقة أدت إلى تغلغل التيار الإخواني في مصير الدولة الأولى للديمقراطية في الخليج، حيث سيطر التيار الإخواني على القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

وحين برزت الصراعات بين أجنحة الحكم في الفترة الماضية، أدرك الإخوان أن الفرصة التاريخية قد سنحت من جديد، وأن العصفور الطائر أصبح بين أيديهم.

ولأنهم يؤمنون أن الغاية تبرر الوسيلة استغلوا الصراع الداخلي بين أجنحة الأسرة، نتيجة لعوامل داخلية جعلت تلك الأطراف تبحث عن حلفاء، وهنا كانت فرصة للأطراف الانتهازية في الحركات السياسية لتستغل الفرص في ضرب شديد للأسرة الحاكمة في الكويت، وهو أمر مؤسف.

حيث إن هذه السياسة تزعزع الاستقرار السياسي، وفي الوقت نفسه تحدث زلزالاً في الكيان السياسي.

فنحن لا نريد اضطرابات تؤثر في استقرار المجتمع، لأن أي اهتزاز في الكيان السياسي هو في النتيجة النهائية لغير الصالح العام. إن اهتزاز الوضع القائم، في نهاية المطاف ليس في الصالح العام، ولا نريد أن تتكرر تجارب العالم العربي على مدى نصف قرن من الزمان.

ولعل مرحلة الحرب الباردة في العالم، ساهمت في إنعاش الحركة السياسية للإسلام السياسي في دول مجلس التعاون، أو غيرها من الدول، وهي المرحلة التي شهدت بروز مرحلة التعصب، وزرع بذور الإرهاب، وليس المقاومة. لقد عانى الإنسان العربي، من نتائج تلك التجارب.

نحن اليوم بحاجة إلى حكمة عبد الله السالم، وإلى تأكيد أهمية التطور التدريجي، أكثر من حاجتنا للتطور عبر الثورة.

إن الحياة تؤكد أهمية التدرج بدلاً من الثورة، تلك هي الحياة، إن الحفاظ على الحياة الديمقراطية في الكويت، هو حفاظ على تراث عبد الله السالم الصباح الإنسان دائماً، وبالأحرى هو الحفاظ على وطن مستقر ومتقدم وديمقراطي.

ولعل معركة الديمقراطية في الكويت، ومن خلال الدستور والأطر الدستورية، هي المحك لمدى التطور الاجتماعي والسياسي لهذه المجتمعات، أما العودة إلى الطائفية والقبلية، فهي دليل على فشل مشروع الدولة، وفي الوقت ذاته دليل على فشل الحركات الاجتماعية بشكل أساسي، وتأتي قضية المرأة والعمل السياسي في الكويت كمحك يشكل العمود الفقري للتطور والتنمية، وهي معركة بين القوى الاجتماعية.

فإما أن تثبت النجاح ولو بشكل جزئي، أو الهزيمة والعودة من جديد لمرحلة ما قبل العولمة، وربما العودة إلى نصف قرن من الزمان، فهل يعقل أن نكون أكثر وأعمق تخلفاً من الشعوب الأخرى؟ سؤال مطروح على عاتق من يحملون أوراق التصويت في الكويت.

رئيس وحدة الدراسات ـ «البيان»

almutawa_mohammed@hotmail.com