في ظل تداعيات الأزمة المالية العالمية يصعد نجم دول ويهبط نجم دول أخرى، وخاصة بين الدول الكبيرة، وقد بات واضحا منذ بداية مؤشرات الأزمة أن روسيا والصين من الدول القلائل التي يمكن أن تتأثر اقتصاداتها بشكل كبير بسبب الأزمة.

وذلك بفضل احتياطات الأموال المخزونة لديها والتي تتراوح لدى الدولتان أكثر من تريليون دولار، وهو مبلغ خيالي في ظل أوضاع الأزمة المالية، وإن كانت الصين تحظى وحدها بنحو ستين في المائة من هذا الاحتياطي، ورغم أعباء الإنفاق الداخلي لدى الدولتين الكبيرتين إلا أن القليل منهم ممكن أن ينقذ عدة دول من الإفلاس.

ولكن كلتا الدولتين عانتا كثيرا من الحصار السياسي والاقتصادي لسنوات طويلة، ولهذا فهما لن يعطيا أحدا بدون مقابل، والمقابل بالقطع لن يكون أيديولوجيا مثلما كان في زمن نشر الشيوعية، ولن يكون أيضا سياسيا، لأن ظروف الأزمة العالمية لا تسمح بالمغامرات السياسية على حساب الاقتصاد، وأمامنا الولايات المتحدة ودول أوروبا الكبيرة نموذجا حيا الآن على تقديم التنازلات السياسية لأعداء الأمس لأن ظروف الاقتصاد والأزمة لا تسمح بالمواجهة.

أوكرانيا الجارة الكبيرة لروسيا أغرقت نفسها في مشاكل كثيرة مع موسكو خلال العامين الماضيين، وذلك بسبب نزعة النظام الأوكراني البرتقالي المتجهة بلا حساب نحو واشنطن وحلف الناتو، والآن واشنطن والغرب لا يعيرا أي اهتمام لأوكرانيا، ولا يريدان ضمها للناتو خشية غضب روسيا عليهم، وتواجه أوكرانيا مأزقا كبيرا الآن في ظل الأزمة المالية والاقتصادية العالمية.

حيث تعاني ربما أكثر من غيرها، وليس أمامها من يساعدها، أو يقدر على مساعدتها سوى روسيا، ولكن كيف والخلافات قائمة ومستمرة، بينما جيرانها من الدول الأخرى الصغيرة تتسابق على قطار المساعدات الروسية، وتقدم كل التنازلات والمواقف الإيجابية لموسكو لتحوز رضاها ولتحصل على مساعداتها.

لقد رفضت كازاخستان وتركمانيا وأوزبكستان توقيع بيان يدعو جمهوريات آسيا الوسطى السوفييتية سابقا إلى الدخول في تعاون مع الاتحاد الأوروبي لأجل إنشاء خطوط أنابيب جديدة لنقل النفط والغاز إلى أوروبا بدون المرور بالأراضي الروسية، وهذه الجمهوريات لا تتخذ الموقف الذي يرضي روسيا إلا عندما تمد موسكو يد العون إليها.

بينما أوكرانيا مازالت تبدي استعدادها للتعاون مع الاتحاد الأوروبي ضد روسيا، ومازالت تطالب بطرد الأسطول الروسي من شواطئها على البحر الأسود في شبه جزيرة القرم، بينما جمهورية سوفييتية سابقة هي قرغيزيا أنهت الاتفاقية التي سمحت للولايات المتحدة الأميركية باستخدام مطار العاصمة القرغيزية الدولي كمحطة لتموين القوات الأميركية في أفغانستان وطردت الأميركيين من القاعدة العسكرية هناك، وذلك بعدما وعدتها موسكو بتقديم منحة مالية وقرض.

الوضع الاقتصادي في بلدان الجوار الروسي صعب. وقد أبدت موسكو استعدادها لسداد أكبر حصة مالية تبلغ 5,7 مليارات دولار في الصندوق الذي قررت المجموعة الاقتصادية الأوراسية ـ روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان ـ إنشاءه برأسمال قدره 10 مليارات دولار لمواجهة الأزمة المالية.

موسكو بصراحة ووضوح تسعى إلى شراء ولاء جيرانها السياسي بطريقة رأسمالية، وترفض هدر أموالها بدون مقابل، وهذا في الواقع حقها المشروع، فهي لا تضغط على أحد لكي يأخذ منها المساعدات، وهناك العديد من الدول الأخرى البعيدة لجأت مباشرة إلى روسيا تطلب المساعدة في الأزمة، ومنها أيسلندا وأسبانيا وحتى إيطاليا ودول أميركا اللاتينية.

ولكن روسيا أعلنتها صراحة على لسان الرئيس ميدفيديف في قمة العشرين الماضية بأن الأولوية عندها لجيرانها، فهل تفهم أوكرانيا هذه المسألة بسرعة قبل أن تغرق في الأزمة لرأسها، أخشى ما نخشاه أن تتباطأ أوكرانيا كثيرا وتطيل المهاترات مع روسيا اعتقادا منها أن هذا سيقربها للغرب أكثر، بينما الآخرون يحجزون المقاعد في قطار المساعدات الروسية.

كاتب ومحلل سياسي أوكراني

vladi1949@mail