المشهد الفلسطيني فيه ما يكفي وأكثر، من الخلل والمتاعب وصداع الرأس. آخر ما يحتاجه، هو المزيد من هذه البضاعة؛ التي تشغله عن مواجهة تحديات اللحظة الراهنة ومخاطرها المصيرية. المفارقة الغريبة، أنه كلما تعاظمت هذه الأخيرة؛ غرق الوضع الفلسطيني في المزيد من التعقيدات والمشاكل الداخلية.

وكأن بوصلته صارت معطوبة وربما معطّلة تماماً. واسطع دليل، ما يشهده الآن من ارتباك؛ ظهرت تعبيراته على السطح؛ خلال الأيام الأخيرة. خاصة فيما يتعلق بالوضع الحكومي وما أثاره من ردود وتراشق إعلامي وسياسي، بين الخندقين.

وبعيداً عن الأسباب المباشرة، يبقى أن هذه الحالة ليست سوى حصيلة طبيعية لتعثّر المعالجات وغياب القدرة على تجاوز خلافات الانقسام، العاصفة بهذه الساحة؛ منذ حوالي سنتين.

من المقرر أن يستأنف الحوار، غداً السبت، بين الأطراف الفلسطينية. المرات الأربع الماضية، لم تسفر عن أية حلحلة. القضايا الخلافية بقيت على حالها. غياب التزحزح، حتى الآن، يؤشر على أن الجولات كانت حواراً بالاسم فقط. فهذا يفترض الأخذ والعطاء، التراجع والتلاقي؛ بهدف الوصول إلى المساحة المشتركة.

تحديد هذه الأخيرة، يصبح ميسوراً أكثر؛ إذا تقاطعت الأولويات. المفترض أن تتقاطع عند بند أساسي، هو مواجهة الاحتلال. كافة الأطراف تتحدث عن هذه الأولوية. مع ذلك يتعذر التوافق.

ولو المرحلي، لحين إجراء الانتخابات. العقدة المستحكمة، تتمثل في صياغات؛ بالإمكان ابتداع مخارج لها وتجاوزها. لكن يبدو أن الإرادة كانت مفقودة. المأمول، أن تكون الأمور مختلفة هذه المرة، ويطلع الحوار بالتوافقات المطلوبة.

غزة لا تزال راقدة تحت الخراب. أوضاعها الصحية والمعيشية المعروفة، أكثر من مأساوية. حال الضفة هو الآخر، قادم على الأسوأ. بدأ يعاني من رفع وتيرة التصعيد الاستيطاني الخانق؛ والمتوقع المزيد من بضاعته على يد جرّافة حكومة نتانياهو، العنصرية المقيتة؛ ناهيك عن باقي أشكال الانفلات الإسرائيلي الآخذة في التصعيد.

نتانياهو، يشير إلى أنه لن يحمل معه إلى واشنطن، الاثنين القادم، سوى مشاريع حروب ودفن أي بقايا للسلام. ناهيك ب«حلّ الدولتين». خطابه لا لبس فيه، بشأن استبعاد هذا الحلّ. فهذا ليس له مكان في قائمة أولوياته. الصحافة الإسرائيلية، تتحدث عن عزمه على «تحدّي» الرئيس الأميركي؛ إذا اقتضى الأمر؛ والإصرار على رفضه.

أمام جبال المخاطر والاستحقاقات الكبيرة هذه، ما عاد من الجائز أن يتحكم الارتباك بالموقف. كما لم يعد من المقبول بقاء الحوار أسير المفردات، لتسجيل موقف أو تحقيق مكسب سياسي؛ يتقزّم ولا تبقى له قيمة إذا ما بقي سكين الاحتلال على الرقاب.