من المؤكد أن الذي رأى بأم عينيه ليس كمن سمع، وما رآه البابا بنديكتوس السادس عشر أمس على الطبيعة في الضفة الغربية وما فعله جدار الفصل العنصري وهو يتلوى كالغول مُمزِّقًا المدن والقرى الفلسطينية، ومُنغِّصًا حياة الشعب الفلسطيني، كان فرصة مناسبة لأن يبدي البابا أسفه للجدار الذي رأى فيه مأساة حقيقية يكابدها الفلسطينيون صباح مساء، ليل نهار.

والذي ينم ارتفاعه وتغوله بين المدن والقرى عن مدى ثقافة الإلغاء العنصري التي يمارسها الجانب الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني، بينما العالم ـ كما قال الحبر الأعظم ـ "يتم فيه فتح المزيد من الحدود للتجارة وللسفر ولحركة الشعوب والتبادل الثقافي، من المأساوي أن نرى الجدران لا تزال تقام"، لمنع التواصل الحضاري والثقافي والديني بين الشعوب، لا سيما بين أبناء الديانات السماوية التي تفرض على أتباعها احترام كل طرف الآخر، غير أن ما يمارسه الإسرائيليون مغاير تمامًا للمقتضيات الإنسانية والدينية، مع أن روح هذه الديانات ومبادئها ومنهجها قائم على نشر ثقافة السلام وحب الخير للآخرين.

لا أحد يريد من البابا أن يحرض طائفة على طائفة، وإنما بذل كل جهد ممكن من خلال موقعه بأن يستخدم نفوذه واحترامه في العالم للضغط لإرساء أسس السلام ورفع الظلم عن الشعوب المقهورة في هذه البسيطة، لا سيما وأن الظلم اليوم في فلسطين المحتلة يفوق ظلم الدنيا بأكملها ولم يفرق بين مسيحي ومسلم، بل إن أتباع هاتين الطائفتين هم من يكتوون بلهيب الظلم والقهر والاستبداد، وهم من يطولهم الاقتلاع من موطنهم الحقيقي اقتلاعًا يخالف المواثيق والأعراف الدولية والشرائع السماوية.

واليوم لم تعد معاناة الفلسطينيين بمسلميهم ومسيحييهم مقتصرة على ما يسببه جدار الفصل العنصري من سلب لأراضيهم وسرقة لثرواتهم وعرقلة لحركتهم وفصل لترابطهم الأسري، وما يمارسه الاحتلال الإسرائيلي على الحواجز من أبشع أنواع الإذلال والإهانة والتنكيل فحسب، وإنما يواجه الفلسطينيون خطرًا حقيقيًّا يتهدد وجودهم بشكل كامل يتمثل في وسائل عدة منها سياسة التهويد القائمة على توزيع إخطارات الطرد وهدم المنازل على الفلسطينيين المقدسيين، والاستيطان الذي يلتهم ما تبقى من أراضي الضفة الغربية، والحصار الظالم على أهل غزة الذين يتربص بهم الموت بحرمانهم من لقمة العيش والدواء والماء التي هي تعتبر من أساسيات حقوق الإنسان وأبسطها..

وبالتالي فإن من المجحف والمجافي لمبادئ العدل والإنسانية أن يتم وصم حق الشعب الفلسطيني في الدفاع عن حقوقه والنضال لدفع الظلم عن نفسه والكفاح من أجل حياة حرة وعيش كريم وسلام واستقرار، بأنه إرهاب وعنف وتمرد، وهو وصف لا يتفق مع القوانين الشرعية الدولية، ولا تقره الشرائع السماوية، فردع الظلم ومقاومة الاحتلال بشتى الوسائل حقوق مكفولة بنصوص الشرعية الدولية والشرائع السماوية، لكونها وسائل مقاومة تولد من رحم الاحتلال الذي لولاه لما وجدت أساسًا.

إن إبداء البابا بنديكتوس السادس عشر أسفه عما رآه خطوة مقدرة نتمنى أن يصحبها مزيد من الاهتمام والمتابعة من قبله كرجل دين يعرف الآثار الناتجة عن معنى اغتصاب حقوق البشر وإزهاق أرواحهم بقوة الاحتلال، على الحكمة من خلق العباد في هذا الكون، خاصة وأنه قد رفع رأسه ليمد بصره إلى أعلى ليرى مستوى الارتفاع الذي وصل إليه الجدار العنصري الذي أرادت به إسرائيل أن تضع نهاية لأحلام الشعب الفلسطيني، ومن مكان يمثل عنوان النكبة والاقتلاع والتشريد التي حلت بالشعب الفلسطيني منذ عام 1948، ألا وهو مخيم عايدة للاجئين الفلسطينيين الذين تتحرك السياسة الإسرائيلية لشطبهم تمامًا من أي مفاوضات أو مبادرات أو حلول.