الوصول إلى الاكتفاء الذاتي بالكفاءات الوطنية، وبمختلف التخصصات هو أمر تندفع إليه كل دول العالم ، حتى إن السباق على جذب أصحاب الاختصاصات النادرة صار جزءاً من حالات الإغراء والذي جرد العديد من الدول من كفاءاتها بما عُرف ب«هجرة الأدمغة».
نحن في المملكة مركز جذب لكن قبل ذلك نحتاج إلى جعل الفرص طريقاً للتعليم والتحصيل، ولعل مظهر أربعمائة وسبعة أطباء وطبيبات حصلوا على تأهيلات عالية برعاية أبوية من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، توضع على قائمة أولوياته بجعل التحصيل العلمي ورفع مستواه والصرف عليه الهمّ الأول لخطط الدولة الطويلة..
فحاجتنا كبيرة للأطباء ومساعديهم والعاملين معهم، مثلما نحتاج للمهندسين والمهنيين والإداريين وغيرهم، لأننا بلد يتوسع اقتصاده في مشاريع استراتيجية كبيرة، جعلت الهوة واسعة بين احتياجاتنا الضرورية، وبين ما تدفعه الجامعات والمعاهد والكليات وغيرها، وطالما الموضوع لا ينحصر في تخصص بعينه، فإن التوسع بالتعليم هو القيمة الأساسية في تغطية احتياجاتنا من القوى العاملة الماهرة، حتى لو بعد عدة سنوات، لأنه كما نعرف، صار السعي للتعاقدات مع الأجانب عملية معقدة أمام تسابق دولي على تلك الاختصاصات.
ويأتي موضوع الرواتب والحوافز كأمر يحتاج إلى قرار موضوعي، ولعل تبني الملك عبدالله بالتعجيل في كادر الأطباء كان مهماً واستراتيجياً، لأنه من غير المنطقي عندما تتساوى الكفاءة والتجربة، أن يصعد راتب المتعاقد الأجنبي على الوطني بما يوازي الضعف، لتأتي دول خليجية بمغريات لكفاءات سعودية نحتاجها، مما يعد هدراً خطيراً، وقد شهدنا كيف أن سوق العمل العالمي، رغم الأزمة المالية، يحاول جذب أكبر قدر من تلك الكفاءات..
أيضاً القضية مادية بالدرجة الأولى، ومعنوية أيضاً، وقد شهدنا في السنوات الماضية كيف بدأت الجامعات تفقد أهم أساتذتها لتدني الرواتب والمحفزات الأخرى وقد يطال غيرها، وحتى القطاع الخاص صار ينتبه لجذب الكفاءات وملاحقتها حتى على مقاعد الدراسة ومثلها سابك وأرامكو، بمعنى أن كسب مواطن مؤهل يلغي العديد من التعقيدات مع الأجنبي سواء التكاليف المادية، أو الهجرة باتجاه بلد آخر..
لقد قيل إن لدينا عجزاً في الصيادلة لا نستطيع سده إلا بعد نصف قرن، وأيضاً يتماثل ذلك مع اختصاصات المهندسين والمساحين، وغيرهم، ونحن أمام مشكل كبير إذ أن تعليم المواطن ووصوله إلى الحد الذي يملك فيه قدراته الكاملة يحتاج إلى سنوات طويلة ما بين الدراسة والتدريب حتى إن دولاً آسيوية استعانت بالمتعاقدين لسد احتياجاتها وتدريب كوادرها..
تخطي العجز يحتاج منا فلسفة جديدة في التخطيط والتنفيذ ومثلما استطاعت هيئة التخصصات الطبية أن تنجح في تقديم هذا العدد من الأطباء، فالأبواب مفتوحة للجامعات والهيئات الأخرى لأن تستثمر الظرف الزمني وكرم الدولة في الصرف على التدريب والتعليم، وطرح الحوافز الجديدة بما فيها زيادة الرواتب وبدل السكن، لأن حاجتنا تستدعي أن يكون الاستثمار البشري أهم الطرق للوصول للتنمية الشاملة..
