في التاسع من شهر مايو 1950 أطلق وزير الخارجية الفرنسية آنذاك «روبير شومان» البيان الشهير الذي أصبح معروفا باسمه ودعا فيه إلى قيام «المجموعة الأوروبية للفحم والحديد».أثارت الدعوة حماسا كبيرا لدى الرأي العام واستجابت لها حكومات ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ.

وكان القيام الفعلي لتلك المجموعة في عام 1951 بداية المصالحة التاريخية في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة بين فرنسا وألمانيا اللتين خاضتا غمار تلك الحرب وتكبدتا ملايين الضحايا أثناء احتلال ألماني نازي لفرنسا استمر طيلة سنواتها تقريبا.

ولكن كان قيام المجموعة الأوروبية للفحم والحديد أيضا خطوة لا سابق لها في أوروبا، إذ قبلت الدول المعنية للمرّة الأولى في تاريخها أن توكل جزءا من صلاحياتها «السيادية» إلى «سلطة عليا مستقلّة» عن الحكومات الوطنية في كل بلد.

وبهذا المعنى كانت بالفعل الخطوة الأولى في مسيرة التوحيد الأوروبي الطويلة. تبنّى المجلس الأوروبي عام 1985 في جلسة له بمدينة ميلانو الإيطالية أن يتم الاحتفال بيوم 9 مايو على أنه «يوم أوروبا».

وكان روبير شومان قد قال في نفس بيان 1950 ما نصّه: «لن تقوم أوروبا بضربة واحدة ولن تكون بناء يشمل كل مكوناتها. ولكنها سوف تقوم عبر إنجازات ملموسة تخلق أوّلا تضامنا حقيقيا وفعليا على أرض الواقع». وقامت أوروبا الموحّدة على أساس فكرة فرنسية، ربما بأسرع وبأوسع مما كان يأمل روبير شومان، إذ هناك اليوم 27 دولة أوروبية يجمعها الاتحاد الأوروبي، وهي تتهيأ لانتخاب ممثليها في البرلمان الأوروبي في مطلع الشهر المقبل.

لكن للميدالية «البرّاقة» وجهها الآخر، الأقل بريقا، فرغم الطريق الذي قطعه الأوروبيون في اتجاه توحيد مسيرتهم، وما يستحق هذا من التأمّل والإعجاب، فإنه قد يمكن القول ان «المشروع الأوروبي» الذي قال به الآباء المؤسسون، روبير شومان وغيره، لم يعد موجودا، خاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين الصيغة الدستورية لأوروبا موحّدة وبين مفهوم السيادة الوطنية.

وهذا موضوع كُتبت حوله آلاف الصفحات، ولعلّ الرئيس التشيكي، والرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي في دورته الحالية فاكلاف كلاوس كان بليغا في إيجازه عندما قال في مقابلة له مؤخرا مع مجلة «باري ماتش» الفرنسية ما مفاده «أنا أوروبي واقعي على عكس الكثيرين من الأوروبيين العدميين (...) الذين يريدون إزالة الدول من أجل خلق دولة أوروبية واحدة.

وهذا خطأ مأساوي، آمل أن لا يرى النور في أي يوم من الأيام». بل وشابه الرئيس التشيكي بين الاتحاد السوفييتي في الأمس وبين الاتحاد الأوروبي اليوم عندما قال «في الاتحاد الأوروبي اليوم، كما في الاتحاد السوفييتي سابقا، يتم اتخاذ إجراءات في غاية الأهمية بعيدا عن مشاركة البلدان المعنية فيها مباشرة».

ومن الواضح للعيان اليوم أن هناك تباينا حقيقيا في الرؤى فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية والدفاعية والأمنية الأوروبية؛ هذا ناهيك عن مسألة توسيع إطار الاتحاد الأوروبي الشائكة خاصة حيال «المعضلة التركية». وإذا كان الجميع يتفقون على أن أوروبا الموحّدة هي قبل كل شيء منطقة تبادل اقتصادي وتجاري حر، فإن السؤال المطروح بقوّة هو: وماذا بعد ذلك؟

بل ويصوغ البعض السؤال بطريقة أخرى هي «هل ينبغي أن يكون هناك بعد ذلك؟». البريطانيون واضحون في إجابتهم، إذ لا يرون في أوروبا أكثر من منطقة تبادل تجاري واقتصادي حر.

وليس هناك اتفاق، بل هناك تباين حقيقي حول التوجّه الذي ينبغي على «الموديل» الأوروبي تبنّيه. هل هو الطريق الليبرالي الذي يدفع إليه عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي بقوّة، وليس أقلّها شأنا بريطانيا بزعامة غوردن براون أم هو اختيار السبيل الاجتماعي ـ الديمقراطي الذي تعبر عنه بامتياز مقولة «أوروبا الاجتماعية» القريبة من النموذج الفرنسي؟

ولا تختلف الرؤية للحاضر والمستقبل فقط على صعيد التوجهات الاقتصادية الكبرى «ليبرالية أم اجتماعية». بل هناك تباينات كبيرة حول مسائل فرعية تتعلّق بالسياسات الضرائبية والمسائل المتعلقة بالميزانية الأوروبية المشتركة ومساهمة مختلف الدول الأعضاء فيها والسياسات الاقتصادية وسياسات الهجرة، وحول العديد من القضايا الأخرى.

هذه المسائل كلّها أصبحت مطروحة بقوة إلى درجة أنه يبدو وكأن الأوروبيين لم يعودوا يعرفون ماذا سيفعلون بأوروبا. ولم يعد واضحا ماذا سيكون عليه شكل أوروبا الموحّدة «دستوريا». كان التطلّع في بداية المسيرة هو الوصول إلى نوع من «الدولة الأوروبية الواحدة» أو على الأقل من الاتحاد «على الطريقة السويسرية».

هناك تقهقر واضح اليوم في المسار التوحيدي لدى الأوروبيين وبحيث يبدو أن كل بلد يعمل ل«حسابه الخاص». لكن إلى أين يمكن أن يصل هذا التقهقر؟!.

مع ذلك، ورغم الأسباب الكثيرة التي تدفع لخيبة الأمل وإلى القلق حيال مسيرة التوحيد الأوروبي فإن انجيلا ميركل لم تتردد في القول «نعرف جيدا أن أوروبا هي مستقبلنا المشترك».

إنها تدرك ويدرك الأوروبيون أن هذه المسيرة هي التي تجلب السلام للقارة القديمة التي عرفت الكثير من الزوابع وليس أقلّها حربين كونيتين في القرن الماضي وحده. وقد أثبتت فائدتها في الساعات الصعبة، كما بدا في مواجهتها للأزمة المالية الطاحنة الراهنة. والأوروبيون، ومهما كانت تساؤلاتهم حول الهوية الأوروبية، سيتوافدون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب ممثليهم في البرلمان الأوروبي في مطلع الشهر المقبل.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr