ولدت الدولة لتموت، ولكل دولة دورة حياة وكان ابن خلدون أول من دَون هذه الظاهرة، وذكر في لسان العرب «لكل زمان دولة ورجال» وعبر التاريخ نسمع أين سيأخذ بنا رجال هذا الزمان؟ وولد الإنسان ليموت، وهكذا فإن كل ما يصنعه له دورة حياة بما فيها الدولة، سنتطرق هنا لبعض الأمور التي تؤدي إلى زوال أو إطالة عمر الدولة.
يرى ابن خلدون بأن وضع اليد على الحكومة يعني ولادة دولة وزوال أخرى ولدرجة كبيرة لا يزال هذا المفهوم سارياً، إن موت دولة لعظيم وهذا ما لمسناه من موت دولة الشاه وولادة الجمهورية الإسلامية، وكذلك في موت دولة صدام، ومنطقتنا لها تاريخها في هذا، فعندما يقوم الغرب بإثراء دولة قوة عسكرية فإنها تتبهرج بغرورها وتموت بغطرستها، وهل هناك دولة أو دول بغطرستها تدق أبواب الموت؟
تشكل القوة الاستراتيجية المحك الرئيس الذي يطيل من حياة وعنفوان الدولة، أما القوة العسكرية فهي عامل فاعل في المعادلة العامة وممكن لدولة صغيرة بطاقاتها المحدودة أن تعول على حلفائها اذا ما تطلبت الحاجة لذلك، وهذا التحالف خيار استراتيجي لمثل هذه الدولة ويحق لدولة كهذه إن وصلت إلى ذلك أن يكون لها عمق استراتيجي إقليمي تطالب وتبسط يدها على المقدرات التي تجعلها أكثر ثراء واكبر قوة، ويعتبر هذا احد الجوانب التي تطيل من عمر الدولة.
ولدت الدولة لتموت، فأي من الدول العربية كانت متواجدة قبل 100 عام أو ستكون هناك بعد 100 عام؟ إننا أمام تجربة بعض الدول الأوروبية التي ترى في نفسها تاريخاً يطول مئات السنين انبثق من عصر الظلمات إلى التنوير فالحداثة وما بعد الحداثة، ولم تمر أوروبا عبر هذه المراحل بسلام فهي كانت دائماً في صراع دموي بين الإيديولوجيات والمذاهب المختلفة فأتى صراع الكنائس وكان آخرها صراعا طاحنا انبثق من الايديولوجيا الوطنية (النازية والفاشية ـ الحرب العالمية الثانية).
هل هناك دول تشهد صراع المساجد؟ وما تفسير ما يدور حولنا من سفك دماء إن لم يكن هذا تعبيراً للانتقال من مرحلة لأخرى في ايديولوجيا دولة، ان التعامل مع هذه الظواهر يجب ان يكون مرنا وهادفا لتجنب العواقب الوخيمة التي حلت بإيران والعراق والاتحاد السوفييتي.. ان التغير الجذري في الايديولوجيا للدولة احد جوانب زوالها، وهذه التغيرات الجذرية تؤدي عند ولادة دولة في بعض الأحيان إلى زلزال داخل الدولة ومجتمعها ممزقاً بذلك الترتيب القديم ومؤدية لانتقال عنيف للسلطة ومراكز الثروة في المجتمع.
ان ما نستقيه من مرونة الحكم في الغرب نظرتهم للحكومة كمؤسسة تقوم بتقديم خدمات وأهداف معينة والكثير منها يفشل بين فترة وأخرى وفي هذه الحالات يتوجب إعادة ترتيب الأوراق والرجال.
وهذه المرونة جانب آخر يطيل من عمر الدولة، أما المال والطبقة الحاكمة فهو جوهر إطالة عمر الدولة، فعندما كانت مارجريت تاتشر رئيسة مجلس الوزراء البريطاني في زيارة رسمية إلى أوروبا، اجتمعت اللجنة المركزية للحزب المحافظ وأسقطها من رئاسة الحزب ففقدت منصبها وحكومتها، أو عندما اجتمع وجهاء روما لطعن قيصرهم «يوليوس» وأتت منه المقولة الشهيرة «حتى أنت يا بروتس»، يصور لنا التاريخ ألوانا وأشكالا مختلفة ومتعددة من عدم احتضان الآراء المتشعبة للطبقة المهيمنة والفاعلة أو تهميشهم، وفي الجانب الأخر فإن التاريخ يفشل بدرجة كبيرة بإعطائنا التصورات الايجابية للتعامل مع هذه الظاهرة.
أما المال فهو كالماء والدولة كالشجرة فإن قَل سقياها تساقطت أوراقها، ويلعب هذا جانبا هاما في استمرارية الدولة من عدمه، وهناك دول أغلقت أبوابها على نفسها وشحت على شعبها دون أي سبب اقتصادي وتقوم باستخدام القوة للمحافظة على أيديولوجيا فاشلة، فلتحتذي الشفافية أو كسرة منها وتمطر المال حتى لو كان رذاذا، ويعتبر هذا احد جوانب المرونة لإطالة عمر الدولة.
أما من جانب آخر قد تطول حياة الدولة مئات السنين تتجدد فيها أيديولوجيتها ومذاهبها وحكوماتها، وكلما كبرت دولة زادت أطماعها وهيمنتها على الدول الأخرى، لتصبح بذلك إمبراطورية، ويشكل تعاظم وتراكم العلم والمال والتجارة في الدولة التميز الدافع للانطلاقة الكبرى والاستمرارية.
فالدولة ومجتمعها في سيرورة وعليه فإن الطرح الفكري يجب أن يرتبط بالمستقبل، فالماضي مضى والحاضر لا نستطيع له حولا ولا قوة، اما المستقبل فهو في أيدينا نستقي من ثوابتنا التاريخية والفلسفية والأيديولوجية لينعكس على مواطن ومجتمع المستقبل ومركز الدولة بين الدول الأخرى.
وأخيراً فإن دورة حياة الدول من الصعب وضعها في إطار عام وتعينه، فهي تأتي بمختلف الألوان والأشكال الملتوية وتحت ظروف داخلية وخارجية ولكل دولة ديمومتها الخاصة بها.
كاتب إماراتي