اختيار الرئيس الأميركي باراك أوباما لمصر العربية، ولقاهرة المعز لدين الله الفاطمي لتوجيه رسالة سلام أميركية إلى الشعوب الإسلامية لا يمنح مصر قدرا ليس لها ولا يخصم من شقيقاتها الإسلامية شيئاً من رصيدها، إذ في ظل المصير المشترك فلا مجال للتنافس على الزعامة بين عاصمة وأخرى، ليبقى المطلوب هو التسابق بين كل العواصم العربية والإسلامية كبيرها وصغيرها على أداء الواجبات والمسؤوليات في نصرة قضايا العرب والمسلمين.
وبينما ينبع اختيار أوباما للقاهرة من حسابات سياسية واستراتيجية تتعلق بمساعيه لحل الصراعات في المنطقة وما يمكن لها أن تلعبه من دور في تلك المساعي، فإنه ينبع أيضا من اعتبارات كون مصر في مركز الوسط والوسيط بين العواصم والأطراف والمذاهب، وخطابها السياسي والإسلامي «معتدل».
لكنه لا يجافي الحقائق الواقعية، إذ ان مصر بالجغرافيا وبالتاريخ وبالواقع والموقع، وبرصيدها الحضاري وبالانتماء الثقافي لشعبها لها ما يؤهلها لأداء دورها الإقليمي في الحاضر كما كانت في الماضي وفق الأجندة العربية والإسلامية وليس العكس ضمن أجندات الآخرين، ولقد ظلت على الدوام عبر العصور على اختلاف العهود وفي ظل كل النظم السياسية التي حكمتها، هي إحدى أبرز الدول المحورية الكبرى في منطقتها الإقليمية العربية والإسلامية، كما بقيت عاصمتها قاهرة المعز مقرا لجامعتها العربية «بيت العرب»، ولأبرز جامعاتها العلمية الإسلامية «الأزهر الشريف».
وهي بدورها الرئيسي الذي يفرضه شعبها انطلاقا من وزنها الإقليمي والاستراتيجي وبوقائع تاريخها وبضرورات حاضرها ومستقبلها، تبقى في قلب أحداث وقضايا أمتها العربية والإسلامية متأثرة به ومؤثرة فيه، لأن عروبة مصر أو إسلامها ليست مسألة تكتيكية أو سياسية يمكن تغييرها أو استبدالها بل هي انتماء وقدر ومصير.
وقدر مصر بحكم واقعها وموقعها أن تتحمل مسؤوليتها الكبيرة العربية والإسلامية على قدر حجمها ووزنها التزاما بقيم وإرادة شعبها وإلزاما لكل حكامها، حيث ليس بمقدورها أن تغادر جغرافيتها العربية ولا أن تفك ارتباطها بتاريخها الإسلامي، ولا تستطيع أن تعزل نفسها كما لا يستطيع أحد أن يعزلها عن مسؤوليتها.
وبحكم واقعها باعتبارها الشقيقة الكبرى للأمة العربية، والدولة الإقليمية الكبرى في الأمة الإسلامية، وبموقعها في قلب هذه المنطقة، بل في قلب العالم، وبارتباط تاريخها بتاريخ أمتها، ارتبط أمنها بأمن منطقتها، ارتبط مصيرها بمصير أمتها.
وبقيت حقيقة أن قوة مصر هي دائما قوة للعرب والمسلمين وليست عليهم، وضعف مصر أو غيابها أحيانا إضعاف للعرب والمسلمين وليست إضافة لأحد منهم، ومن هنا كانت عبر فترات تاريخها المختلفة عاصمة للعرب والمسلمين، وفي حاضرها ما تزال هي الوجهة الأولى للعرب والمسلمين عند الأزمات.
فمن مصر خرجت جيوش المسلمين بقيادة الناصر «صلاح الدين» في عهد الدولة الأيوبية ضد الغزاة الصليبيين، وفي «حطين» بفلسطين كانت واحدة من أعظم معاركها التاريخية المنتصرة، وفي عهد الدولة المملوكية كانت ملحمة أخرى بقيادة قاهر التتار «سيف الدين».
وفي «عين جالوت» بالشام كانت معركة منتصرة أخرى ضد الغزاة التتاريين. ومن هنا خاضت حروبها وقدم شعبها العربي عشرات الآلاف من شهدائها وكانت آخر حروبها المنتصرة هي حرب أكتوبر المجيدة مع الشقيقة سوريا ومع الأشقاء العرب ضد المعتدين المحتلين الصهاينة، دفاعا عن أمنها وأمن أمتها، وانتصارا لقضاياها وقضايا أمتها، لأن أمن أمتها هو أمن لها.