قد لا نختلف كثيرا في أن حركة حق «البحرينية» حركة احتجاجية، أي أن يكون لها موقف المحتج أو المعارض من كل أو بعض إجراءات أو سياسات الدولة ولن نقل الحكومة، إلا أنها مع ذلك لا يمكن اعتبارها من حيث التشكل والعمر الزمني واحدة من الحركات الاحتجاجية التي جاءت وليدة للحدث السياسي أو الاقتصادي المعين.

أي أن نشأتها لم تكن نتيجة لإجراء أو إجراءات قد أقدمت على اتخاذها الدولة دفع نحو تشكلها، وهي في هذا تماثل تلك الحركات الاحتجاجية التي باتت تمثل حركة أو تنظيم سياسي غير مؤقت التشكل.

وهي في هذا رغم انعدام تأطيرها الرسمي، أي أنها منظمة سياسية غير مسجلة لدى السلطات المعنية بذلك، أي أن عملها قد يفتقر لعامل الشرعية بمفهومه القانوني وليس السياسي أو الاجتماعي. وهي مع ذلك حركة منظمة قائمة على الأرض وتمارس نشاطا تصفه قيادات التنظيم أو الحركة «بالنشاط الاحتجاجي السلمي».

وهي كما أشرنا لم تأتي نتيجة لردة فعل الشارع من إجراء أو قرار رسمي، وإنما جاءت كنتيجة لحركة الانشقاقات التي تعرضت لها جمعية الوفاق الوطني الإسلامي الشيعية في عامي 2004 و2006، في المقابل فأن حركة كفاية المصرية التي تحاول قيادات «حق» التماثُل بها قد جاءت نتيجة لحركة الإحباط التي عمت النخب الفكرية والثقافية المصرية غير المؤطرة سياسيا من تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في مصر، وقد عكس اسمها حركة الإحباط هذه.

وقد مثل انشقاقها عن الوفاق بداية التحول ليس في لغة الوفاق وخطابها السياسي وإنما في علاقتها بالنظام السياسي كذلك. فتجربة الثلاث سنوات الأخيرة التي قضتها الوفاق في العمل السياسي داخل المجلس النيابي رغم مكاسبه القليلة كما يقولون إلا أنه في اعتقادي قد مثل خطوة مهمة في تطوير علاقة الجمعية بالنظام وفي تعديل خطابها السياسي الذي بات أكثر عقلانية عن السابق.

بل أن قطاعا مؤثرا في الوفاق وفي المجلس العلمائي بات يشعر من أن طبيعة ممارسات حركة حق على الواقع وإثارته لمجاميع في بعض الحياء والقرى الشيعية بات مشتتا للجهد وأجنداتها الرئيسية في العمل السياسي. بل إن البعض بات يعتقد أنه لولا أن هناك قدرا من الضوابط الحاكمة للعمل السياسي الداخلي لدخل الاثنان في صراعات سياسية عنيفة.

وهي انشقاقات قد جاءت نتيجة لعدم قدرة قطاع أو قطاعات سياسية داخل جمعية الوفاق الشيعية من التكيف مع السياقات السياسية الجديدة، بل إن قرار الجمعية العمومية للوفاق بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية لعام 2006 كان أحد أهم أسباب الشقاق والانسلاخ تحت مظلة سياسية جديدة تحمل اسم حركة حق، أو أن حركة الانشقاق هذه قد جاءت نتيجة لطبيعة التشكل الثقافي ـ السياسية للجماعة المنشقة والتي أصبحت غير قادرة على مغادرة مواقعها ومواقفها السياسية السابقة والتكيف مع المستجدات الجديدة.

فبقت نتيجة لذلك هذه المجموعة السياسية حبيسة لأطروحاتها السياسية التقليدية، بل أنها قد بقت محافظة على مكونات لغتها السياسية ذات التعابير الخالية من المحاذير والتي تقطع صلتها بالسياق السياسي القائم وهو حذرا تتميز به لغة القوى السياسية ذات الغلبة والأكثرية..

وهي في هذا تمثل لغة غير تصالحية مع السياق السياسي القائم بل انها في توظيفها لهذه اللغة تقطع أي إمكانية وصال أو تواصل مع الطرف أو الأطراف السياسية الحاكمة.

وهي لغة تتمثل كما اشرنا في مقال سابق بكونها لغة الجماعات السياسية الصغيرة التي لا يمثل التواصل مع النظام أو المشاركة في صناعة القرار حيزا من اهتمامها أو أجندتها السياسية.

وهي لغة لا تستطيع أيا من القوى السياسية الغالبة، أي صاحبة الغلبة والكثرة، استخدامها. وهي لغة قد يطرب البعض لسماعها لكونها لغة عارية من الضوابط السياسية ولربما المعيارية التي تحكم في الغالب علاقة الأطراف المختلفة ولربما المتصارعة في الدولة وليس على الدولة.

ولا يعكس الخطاب السياسي للحركة الدغماتية السياسية والانغلاق الفكري، لبعض إن لم يكن جل قيادات الحركة، وإنما يعكس هذا كذلك الفقر المعرفي لبعض قياداتها وقواعدها المحدودة على حد سواء.

وهو خطاب لا يزيد فحسب حالة الشق بينها وبين قوى الإسلام السياسي الشيعي أو ما يسميه البعض بالشارع الشيعي في إطاره العام، وإنما بات معمقا لحالة الشق وانعدام الثقة بينها وبين النظام والقوى السياسية الأخرى.

وهو خطاب ونتيجة لخلوها من كل ضوابط العمل السياسي المؤطر بات البعض يراه خطابا لا ينزع نحو إحداث تغيير في النظام وإنما خطاب بات ينال من النظام ذاته. وهي المسألة التي، ولأسباب ذات علاقات مصلحية سياسية، قد عممها البعض على كل قوى الإسلام السياسي الشيعي.

فالخطاب السياسي المعلن والمستتر لأي جماعة سياسية يعكس أهدافها السياسية. وهي أهداف ومرامٍ تتراوح بين أحداث التغيير السياسي الممكن، وهذا لا يتأتى إلا من خلال قوى الاعتدال السياسي ذات الغلبة الشعبية أو الفاعلية السياسية الأكبر، وبين الدعوة لتغيير السياق السياسي وهذا في الغالب لا يأتي إلا من خلال قوى صغيرة العدد رغم علو صوتها وصخب ضجيجها، أثبتت التجربة أن قدرتها على تحقيق أهدافها السياسية المعلنة في تغيير السياق السياسي القائم لا تتجاوز الصفر في المائة.

فكل تجارب الحركات الاحتجاجية المتطرفة في أوروبا وأميركا اللاتينية وفي آسيا كان مآلها الفشل. بل إن طبيعتها المتطرفة قد قادت أحيانا لبروز قوى سياسية متطرفة ماسكة بمؤسسة الدولة.

فكل تطرف سياسي في الخطاب والممارسة على صعيد قوى المجتمع تقود بالتالي نحو تطرف مضاد على صعيد القوى الماسكة بالدولة، والعكس صحيح. وهي حالة من العلاقة التي لا يجد أي من طرفي الصراع فيها نقاط للالتقاء مع الآخر المختلف إلا الاقتلاع. ولنا في المقال القادم حديث يتناول جانبا آخر من حركة حق الاحتجاجية وطبيعة تشكيلها الاجتماعي والسياسي.

كاتب بحريني

drbaqer@gmail.com