قبل أيام قليلة من لقاء أوباما بكل من نتنياهو ومحمود عباس، حفل المشهد الأميركي بمؤشرات عدة بعضها إيجابي والآخر سلبي. فقد بدأت تتضح بعض ملامح الموقف الأميركي الجديد ومدى اقترابه أو بعده عن مواقف إسرائيل. وقد تكون متابعة ما جرى في المؤتمر السنوي للجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة (إيباك)، اللوبي الرسمي المناصر لإسرائيل في الولايات المتحدة أحد المفاتيح المهمة لتحليل المشهد.
فقد بدا المؤتمر وكأنه بمثابة «جلسة تمهيدية» تخاطب فيها كل من إدارة أوباما وحكومة نتنياهو الأخرى، قبل الجلسة «الرسمية» أي اجتماع أوباما ـ نتنياهو المقرر انعقاده في 18 مايو الحالي. ورغم أن أوباما التقى وجها لوجه بالرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز الذي كان في واشنطن لحضور مؤتمر إيباك نيابة عن نتنياهو فلم يتطرق ذلك الاجتماع إلى القضايا الخلافية بين الطرفين بينما حفل مؤتمر إيباك بتعبير كلا الطرفين عن مواقف مبدئية.
ورغم أن المؤتمر قد شهد التظاهرة السنوية الاعتيادية في دعم إسرائيل حيث حضره مئات من المسؤولين وصناع القرار الأميركيين فضلا عن رموز السياسة والمجتمع، إلا أن المتابع لوقائع المؤتمر يستطيع أن يلمح قلقا مكتوما لدى إسرائيل وأنصارها عبرت عنه أحيانا كلمات بعض المتحدثين. لكن إدارة أوباما أرسلت أيضا من خلال المؤتمر رسائل متعددة ربما كان أهمها تلك التى جاءت في خطاب كل من جو بايدن نائب الرئيس، والسناتور جون كيري أمام المؤتمر.
فبينما تحدث بايدن عن عزم إدارة أوباما على الاستمرار في تقديم الدعم القوى لإسرائيل وأمنها إلا أن خطابه انطوى أيضا على ما يشير إلى أن قضية المستوطنات ستكون من بين أولويات الإدارة. وقد تكرر الحديث عن ذات الموضوع بأشكال مختلفة طوال أيام المؤتمر الثلاثة (3-5 مايو).
فقد كرر المعنى نفسه السناتور جون كيري رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ والذي يبدو أنه صار يكلف من جانب إدارة أوباما بمهام خاصة في ملف الشرق الأوسط.
بل أكثر من ذلك، أعرب أكثر من متحدث من عتاة أنصار إسرائيل في الجلسات المختلفة للمؤتمر عن «قلقهم» من أن يتحول موضوع المستوطنات إلى نقطة خلاف رئيسية بين إدارة أوباما وحكومة نتنياهو.
لكن قضية المستوطنات لم تكن القضية الوحيدة مثار قلق أنصار إسرائيل. فعلى سبيل المثال، أعرب روبرت ساتلوف المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ـ الذراع الفكري لإيباك في واشنطن عن مخاوفه من أن تزداد خلال عام الفجوة الأميركية الإسرائيلية بشأن الموقف من إيران فتؤدى لمواجهة وصفها ساتلوف بأنها ستكون «الأكثر خطورة في تاريخ العلاقة بين البلدين على مدار 61 عاما» أي منذ نشأة إسرائيل.
ومن هنا تأتى أهمية التحركات التي يتبناها أنصار إسرائيل في واشنطن اليوم منعا لحدوث ذلك من ناحية ودعما لموقف إسرائيل من ناحية أخرى. أما التحرك الأول فهو الذي تبناه الأعضاء الستة آلاف لمؤتمر إيباك حين توجهوا بالجملة في اليوم الأخير للمؤتمر إلى مبنى الكونجرس في مظاهرة كبرى «لتشجيع الأعضاء» على التوقيع على خطاب يوجهه كل من مجلسي الكونجرس للرئيس أوباما.
وقد قام بصياغة الخطابين ـ خطاب النواب وخطاب الشيوخ ـ عدد من الأعضاء المناصرين لإسرائيل بالتنسيق الكامل مع إيباك. ورغم الخلافات الطفيفة بين الصياغتين فقد أكدت كلاهما على «يهودية الدولة» الإسرائيلية وعلى حث أوباما على إدارة الخلافات بين البلدين متى نشأت في السر لا في العلن. ويطالب الخطابان الرئيس الأميركي بضرورة الإصرار على «الالتزام الفلسطيني المطلق بنبذ العنف والإرهاب والتحريض عليهما».
أما التحرك الثاني فقد تمثل فيما صدر انطلاقا من مؤتمر إيباك على لسان عدد من أعضاء الكونجرس من تأكيد على أن المؤسسة التشريعية سوف تشهد تقديم مشروعات قوانين تفرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران بغض النظر عن موقف أوباما وهو ما وصفه أحد أعضاء الكونجرس بأنه رسالة للإدارة بأنها «لا تملك شيكا على بياض» فيما يخص الملف الإيراني.
أما أكثر ما يثير القلق في المشهد الأميركي حتى الآن فهو ما جاء في مؤتمر إيباك على لسان كل من جو بايدن نائب الرئيس والسناتور جون كيري القريب من الإدارة.
فقد صاغ بايدن خطابه أمام إيباك على نحو يقدم الإدارة باعتبارها تنتظر كل الأطراف أن تثبت جديتها في التوصل إلى تسوية. وفي هذا الإطار تحدث بايدن عن المبادرة العربية فقلبها في الواقع على رأسها. فالمبادرة العربية تقوم على استعداد العرب لتطبيع علاقتهم بإسرائيل بشكل كامل إذا ما انسحبت الأخيرة من كل الأراضي التي احتلتها في 1967.
أى أن التطبيع مشروط بالانسحاب الإسرائيلي. لكن بايدن وضع العربة قبل الحصان وطالب العرب باتخاذ خطوات فورية في طريق التطبيع ـ كدليل على الجدية ـ قبل أي انسحاب إسرائيلي ودون أن تتخلى إسرائيل عن شبر واحد من الأرض المحتلة. وهى بالضبط الصيغة نفسها التي حملها خطابا أعضاء الكونجرس لأوباما التي صاغها أنصار إسرائيل.
أما خطاب جون كيري فقد استخدم تعبير «منزوعة السلاح» للإشارة للدولة الفلسطينية المزمع إنشاؤها. وهو الذي يمثل مطالبة للفلسطينيين بالقبول بدولة بلا سيادة حتى قبل الدخول في أية مفاوضات.
بعبارة أخرى، فإن حصاد الشهور الأولى لأوباما به إيجابيات منها التأكيد على أن حل الدولتين مصلحة أميركية لا فقط حفاظا على أمن إسرائيل، ويتضمن تأكيدا على قضية المستوطنات ودعوة لأول مرة لإسرائيل بالانضمام للمعاهدة النووية، إلا أن هناك أيضا ما يثير القلق سواء تعلق ذلك بالمبادرة العربية أو بتعريف أوباما لطبيعة الدولة الفلسطينية. غير أن الأخطر من ذلك كله هو غموض الموقف الأميركي حتى الآن من مسألة يهودية الدولة الإسرائيلية.
كاتبة مصرية
