قبل أيام أعلنت السلطات اللبنانية عن كشف وتفتيت أكثر من خلية أمنية تعمل لصالح إسرائيل وتقوم بتزويدها بمعلومات حساسة حول بعض الأماكن التي قد يستهدفها الجيش الإسرائيلي في أية مواجهة مقبلة مع المقاومة اللبنانية أو مع لبنان عموما.

التفاؤل الذي أشاعه هذا الخبر على الصعيد المحلي أثار بدوره سلسلة من التحليلات المتشائمة أو الناقدة في الحد الأدنى، لأنه بكل بساطة كشف مرة أخرى حجم الاختراق المدوّي للأجهزة الأمنية الإسرائيلية وقدرتها على التأثير والتغلغل في أكثر من مكان، وتاليا قدرتها على نشر البلبلة والفوضى بشتى أساليبها.

لكن برغم هذا التشاؤم فإن ما جرى في لبنان مؤخرا كشف أيضا سلسلة من الأمور الهامة التي لا يجب غض النظر عنها بأي شكل من الأشكال، لأنها ستكون ضرورية جدا في تحصين الوطن أمام تحديات المرحلة المقبلة والتي قد تكون كثيرة جدا.

ولعلّ أبرز ما يمكن استخلاصه من عبر مفيدة للعمل الوطني هو ما عكسه التعاون الأمني الرسمي ـ المقاوم من نتائج جيّدة، وهو تعاون كان قائما أصلا قبل عام 2000 وأدى لتلك النتائج الباهرة التي تمثلت بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان بعد معاناة وتضحيات كثيرة.

اليوم، يعود هذا التعاون ليثبت مجموعة من المسلّمات التي يؤمن بها كثيرون، ومختصرها أن التضامن السليم قادر على إفراز وطن حقيقي يفخر به جميع أبنائه، وأن التعاون المخلص لتحقيق أهداف واضحة في انتمائها الدفاعي لن يكون إلا منطلقا لرفد هذا الوطن بمزيد من الدعائم المكرّسة لاستقلاله وسيادته.

وإذا تمكّن الفرقاء السياسيون من التوصل لحلول وسط يتوافقون من خلالها على مشروع الدولة العصرية، فإن ذلك سيشكل انتصارا أكبر للوطن بالدرجة الرئيسية، لأن ذلك سيخرجهم حتما من إطار تحقيق المكاسب الحزبية لمصلحة الشعب بكافة فئاته.

لكن في خضم نشوة ما يجري في لبنان حاليا من انتصارات مخابراتية قد تكون محدودة التأثير وفق ما يزعم البعض، فإن ما جرى أعاد البحث مجددا بأهمية استكمال كافة العناصر التي قد تكون مهمة في تحصين الإطار الدفاعي للوطن، وبالتالي عدم حصرها في المجال الأمني الميداني القائم من خلال التعاون آنف الذكر بين القوى الأمنية الرسمية والمقاومة.

وفي هذا السياق يبرز العمل الدبلوماسي كواحد من أهم تلك العناصر وأكثرها فعالية، لأن المعروف عن هذا المضمار أنه يكون عادة مكمّلا أو بمثابة اليد الطولى للعمل السياسي أو الأداء الأمني. فعندما تحتاج الحكومة لنقل موقف سياسي معيّن إلى المجتمع الدولي تعتمد على الدبلوماسيين في الخارج، وعندما تحتاج القوى الأمنية لتحقيق بعض من غايات الدفاع عن الأمن القومي فانها لا تتردد كذلك بالاعتماد على بعض طاقات وحقول عمل السلك الدبلوماسي.

لكن الخطورة في ما يجري في لبنان تكمن في أن البعض يصر على حصر أداء السلك الدبلوماسي في إطار مختلف كلّيا، إذ يجعله متقوقعا بشكل مريض في دائرة تمثيله للطوائف الأساسية بدلا من أن يكون ممثلا مخلصا للوطن وحاميا لأولوياته الدفاعية.

وهذا بالتأكيد نتاج العمل السياسي القائم في لبنان وواحد من مستخلصات التفكير السلبي المتوارث منذ عهود غابرة، وبالتالي لا يتحمل مسؤوليته الدبلوماسيون المبتعثون إلى الخارج الذين لا حول لهم ولا قوة بما يجري من طريقة توزيع الحصص التي تتم أحيانا على حساب الكفاءة الحقيقية.

ولكي لا نختبئ كالعادة خلف أصبعنا نقول بأن هذا التفكير وتلك الممارسة تنعكسان بشكل سلبي على طريقة أداء الدبلوماسيين في الخارج، الذين يبدون في بعض الأحيان تائهين بين انتمائهم الأعمى لطوائفهم والتيارات السياسية التي يؤيدوها، متناسين بل أحيانا غير آبهين بممارسة الدور الأساسي الذي يفترض بهم أن يقوموا به. وبهذا، فإن أداء الدبلوماسي يبدو منحصرا في الشؤون القنصلية الروتينية وكتابة التقارير السياسية المملّة، في وقت يُظهر فيه عجزا للعب أحد أدواره الرئيسية المتمثّلة باستكمال حلقات الدفاع عن الأمن القومي.

وقد يستغرب البعض من هذا الطرح باعتبار أنه قد يُفهم كمحاولة لتحويل السلك الدبلوماسي اللبناني إلى دائرة تابعة لما يشبه النظام الأمني الشمولي، لكن القصد من ذلك هو الإشارة إلى بعض مكامن الخلل في أحد أبرز قطاعات النظام التنفيذي الرسمي، والذي باتت تتراكم فيه الشوائب لدرجة أن بعض القوى، وانطلاقا من حسابات طائفية سيئة، لا تخجل بأن تدافع عن أشخاص اخترقت روائح فضائحهم فروع السلك الدبلوماسي بأكمله، وأصبحت تهدد بخلخلة دعائم الأمن القومي اللبناني.

هذا تفسير واقعي ومنطقي وليس مبالغا به بأي شكل من الأشكال، لأن الدبلوماسي القادر على تحويل بعثته إلى خلية نشطة لقبض الرشاوى لقاء تنفيذ أي نوع من المعاملات، هو بكل بساطة مؤهل لأن يكون عميلا لأجهزة الأمن الأخرى على اختلاف توجهاتها، والتي تعتبر مسألة تجنيدها لهؤلاء واجبا وطنيا كبيرا لأنه قد يساعدها في حماية أمنها القومي. ذلك إذا حق مقدّس للدول الأخرى فلماذا لا يكون كذلك لأبناء السلك الدبلوماسي اللبناني؟

انطلاقا ممّا سبق، قد تكون مفيدة الدعوة للعمل على إيجاد صيغة معيّنة لتحقيق التعاون والانسجام بين من يتولون مهمة صيانة الأمن القومي في الداخل، وبين من هو مفترض أن يكون الداعم الرئيسي لهذه الجهود في الخارج. وقد يتحقق ذلك بكل بساطة من خلال إبعاد السلك الدبلوماسي عن التجاذبات الطائفية الضيقة وكسر تقليد الحصص الذي لا يزال متّبعا بين الطوائف.

أما إذا كان ذلك غير ممكن في الوقت الحاضر، فعلى الأقل العمل من أجل توسيع هامش العمل الدبلوماسي من خلال إشراك طاقات الانتشار اللبناني في العالم. فهي كثيرة وقادرة حتما على رفد الوطن بالجهد المؤثر.. هذا إن توفرت النيات الصادقة بالطبع.

كاتب لبناني

ezzedine@vol.cz