لم يكن إنشاء إسرائيل في يوم من الأيام موضوعاً مركزياً في حياة اليهود الأميركيين، لأنه بكل بساطة لم يعتبروا هذه الدولة اليهودية التي نشأت حديثاً هي المكان الطبيعي، التي يترتب على يهود العالم أن يهاجروا إليه.
وكان قسم كبير من اليهود الأميركيين متوجساً من قضية إنشاء دولة إسرائيل، لما سيسببه من مشكلات لليهود الأميركيين، المتخوفين من أن الإنشاء هذا سيدفع المعادين للسامية في الولايات المتحدة الأميركية إلى الضغط على اليهود لكي يهاجروا إلى إسرائيل التي أضفت على نفسها صفة الدولة اليهودية أو الوطن اليهودي، وبالتالي تتم معاملتهم على أساس ازدواجية الولاء وعدم الثقة على حد قول يوسي بيلين.
ويرفض اليهود الأميركيون الانتماء المزدوج لإسرائيل وأميركا في الوقت عينه، فمثل هذه الازدواجية في الانتماء تعرض مصالحهم للخطر أو للأذى، ولهذا، هم يرفضون أن يكونوا جزءاً من الدولة الإسرائيلية.
فالانتماء الأول والأخير بالنسبة إليهم هو للولايات المتحدة الأميركية، التي استقبلت أبناء الطائفة اليهودية منذ أكثر من قرنين من الزمن أي قبل نشوء إسرائيل ذاتها، وفيها يتمتعون بموقع الأقلية المحظوظة على جميع الصعد الاقتصادية والاجتماعية السياسية والثقافية، فضلا عن أن اليهود الأميركيين يعيشون في جو آمن أفضل من أي مكان آخر في العالم، وبالتالي هم يشعرون أن أميركا هي موطنهم الحقيقي لا إسرائيل.
إن الحروب العدوانية والتوسعية التي خاضتها إسرائيل ضد الأمة العربية، ونضال الحركة الوطنية الفلسطينية من أجل انتزاع الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني، والانتفاضتان الشعبيتان في الأراضي المحتلة، إضافة إلى الحرب الإسرائيلية التدميرية الأخيرة على غزة، التي عرّت الوجه القبيح والفاشي والعنصري لإسرائيل، كل هذه العوامل أبعدت بحدود معينة اليهود الأميركيين عن إسرائيل، التي باتت تشكل لقسم كبير منهم مصدر قلق، لا مصدر فخر واعتزاز.
من وجهة نظر اليهود الأميركيين، إسرائيل لم تشكل قطباً جذاباً ليهود العالم، بل إن سياستها العدوانية، والأزمة الوجودية التي يشعر بها مستوطنوها، دفعت يهود العالم إلى مزيد من الاندماج في المجتمعات التي يعيشون فيها، وتخفيف حدة العداء تجاههم من جانب بعض المنظمات اليمنية المتطرفة. وهذا لم يكن بالخيار المقبول من جانب إسرائيل.
إن العلاقة بين إسرائيل واليهود الأميركيون علاقة تناقضية ومعقدة، لأنهما يشكلان أكبر تجمعين لليهود في العالم، بعد ان انخفض عدد يهود أوروبا إلى أدنى مستوى له منذ عدة قرون، وبعد أن خلا العالم العربي من اليهود، باستثناء بعض الجيوب في كل من المغرب وتونس. ففي الوقت الذي تحاول فيه إسرائيل جاهدة إقناع اليهود الأميركيين بالهجرة إليها، آمن اليهود الأميركيون بانصهارهم في المجتمع الأميركي كمواطنين صالحين. وتشهد إسرائيل هجرة معاكسة من اليهود باتجاه الولايات المتحدة الأميركية.
ومما يزيد في تعميق التناقضات بين إسرائيل واليهود الأميركيين، القوانين الصهيونية العنصرية المطبقة في إسرائيل بشأن الزواج الديني، والخلفيات الثقافية المتباعدة بين التيارات الصهيونية الأصولية المهيمنة في إسرائيل، والتيارات الليبرالية المنفتحة لدى يهود أميركا على العالم. ويقول يوسي بيلين في هذا الصدد، أن السبب الرئيسي للخلاف بين الأصولية الصهيونية وغالبية يهود أميركا، يدور حول مسألة «من هو اليهودي» ومن هو الحاخام؟ ومن هو المعتنق الحقيقي؟ وهي أسئلة تجعل يهود أميركا يشعرون بالغربة في إسرائيل.
وتقوم السياسة الأميركية في الشرق الأوسط منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، على هاتين الركيزتين: النفط الذي يحتل أولوية قصوى، وتحقيق أمن إسرائيل الذي أصبح يحتل المرتبة الأولى بعد حرب يونيو 1967. وتكمن الصعوبة كلها في تحقيق هذين الهدفين.
وبالمقابل، نجد أن اليهود الأميركيين يعملون في هامش تقاطع المصالح الأميركية، إذ إنهم لا يستطيعون أن يخرجوا عن السياسة العامة الأميركية، لكنهم ليسوا مستعدين للدفاع عن مصالح إسرائيل، بل إنهم حريصون على مصالح يهود أميركا بشكل أساسي.
كاتب تونسي