منذ مجيء حكومة نتنياهو، ما احتوى طبقها اليومي سوى على تشكيلة؛ تفتقد لكل شيء إلاّ طعم الحروب. كأنها مقدّمات لطبخة من المواجهة، أو المواجهات، العسكرية، التي يجري إعداد المنطقة لها. استحضر خطابها، كل مفردات الاستفزاز وشروط التعجيز والإملاء. حرص على شحن الوضع المشحون أصلاً بكل عناصر التأزيم والتوتير؛ وبلهجة طافحة بالتحدّي والاستعلاء والعنصرية.
آخر بضاعته، وليس أخيرها، كلامه أمس حول الجولان المحتل. بعدما وضع الملف الفلسطيني أمام الحائط المسدود، انتقل إلى الملف السوري؛ لإبلاغ رسالة مشابهة. «لا أعتزم الانسحاب من الجولان. البقاء في الهضبة يضمن لإسرائيل وضعية استراتيجية متقدمة، في حال حصول نزاع مع سوريا»، كما قال في لقاء صحفي. وكأن أهمية الموقع العسكري، تعطي إسرائيل الحق في تأبيد احتلالها له.
أو كأن السلام، إذا حلّ، لا يعني طي صفحة النزاع. سلام إسرائيل، كما يراه نتنياهو، استنسابي. المسائل التي يعتبرها «حساسة، لا تنازل فيها». رسالته واضحة: «إسرائيل مستعدة لخوض مفاوضات، لكن من دون تعهّد إسرائيلي بالانسحاب من الجولان»، على حدّ ما أدلى به وزير النقل الإسرائيلي.
نفس القاعدة تنطبق على الحالة الفلسطينية. معادلة كان ليبرمان، الوجه العنصري الفاقع، قد أفصح عنها ببساطة ووضوح، عندما قال بأن إسرائيل تفاوض على «سلام مقابل سلام»، مع جيرانها. لا أكثر ولا أقل. ما كان حاصلاً، في السابق، لم يخرج عن هذا الإطار. الفارق اليوم أن هذه الحكومة وضعت سلفاً وعلناً النقاط على الحروف بغطرسة فجّة. قضية «السلام»، ليست قضيتها. تزعم أن الأولوية، في مكان آخر. في «الخطر الإيراني». موضوع الدولة الفلسطينية، «يلزمه وقت».
تتذرع بأن المطلوب أولاً بناء مؤسساتها وأجهزتها الأمنية واقتصادها... في إطار «حكم ذاتي». ومن أعذارها الأقبح من ذنب، أن الشريك الفلسطيني، غير موجود؛ وأن شركاءه في الحكومة لا يجارونه في موضوع الدولة. سلسلة من الذرائع الماكرة. وهي بكل حال ليست جديدة سوى في الإخراج. والجولان، حلقة أخرى فيها. وفي نفس الوقت تسرع إسرائيل الخطى، لخلق المزيد من الوقائع العنيدة على الأرض؛ وخاصة في القدس، بحيث تقضي سلفاً على احتمالات التفاوض. ناهيك بالسلام.
التشدّد الذي تبديه حكومة نتنياهو، ليس للمناورة؛ بقدر ما هو تعبير عن خطّها وموقفها المعادي لأي تسوية. تريد الأرض قبل السلام. الرئيس أوباما، يعلن أنه مع «الدولتين». إبلاغ هذا الموقف إلى نتنياهو قريباً؛ لا يكفي. لا بدّ من انتزاع قبوله. وهذا قد لا يتحقق من دون موقف عربي مسبق، يكون له أسنان.
