مع بداية الألفية الثانية واجهت شركة (أريكسون) للهواتف النقالة موقفا صعبا عقب الخسائر الكبيرة التي منيت بها الشركة بعد أن كانت تحتل لعقود طويلة موقعا مرموقا في مجال ابتكار الهواتف، وفي هذا السياق فضلت (أريكسون) ان تستمد الرقائق الاليكترونية اللازمة لتصنيع هواتفها من مصدر وحيد هو مصانع (فيليبس) في مدينة نيومكسيكو الأميركية.
ولكن حدث أن التهمت النيران منشأة التعقيم في مصانع (فيليبس) التي عمدت إلى إبلاغ (أريكسون) وكذلك (نوكيا) العميل الكبير الآخر لهذا المصنع بأن الإنتاج قد يتأخر لنحو أسبوع، وفيما أخذت نوكيا تبتاع الرقائق المتوافرة من مصادر بديلة بعد أن تبين أن الإنتاج لدى مصانع ( فيليبس) قد يتأخر لأشهر عدة وليس لأيام معدودة واجهت شركة (أريكسون) نقصا خطيرا في الرقائق أعاق قدرتها على المنافسة، حيث منعها من طرح أجهزة جديدة وإنتاج موديلات حديثة.
وسط هذه التطورات وحّدت شركتا (سوني) و(أريكسون) أعمالهما حيث امتازت الشركة الوليدة بلائحة منتجات كاملة تشمل كل الفئات المستهدفة وذلك تحت مظلة (سوني أريكسون) التي أعلنت عن تحقيق أرباحها الأولى في النصف الثاني من عام 2003 م.
وفي عام 2004 فاقت مبيعاتها 42 مليون هاتف نقال، وباعت في عام 2005 أكثر من 50 مليون وحدة، وتضاعفت مبيعاتها من الأجهزة النقالة عام 2006 إلى أكثر من 8,78 مليون وحدة، وبحسب المجلة السويدية (إم ثري) في عددها السابع لعام 2006 فإن (سوني أريكسون) هي الماركة الأفضل من حيث المبيعات في البلدان الاسكندينافية الشمالية (السويد والنرويج والدانمرك وفنلندا) تليها نوكيا ذات الأصل الفنلندي.
وبحسب نشرة شركة (جارتنر) فإن (سوني أريكسون) كانت في الربع الثالث من عام 2006 رابع أكبر مصنِّع للهواتف النقالة في العالم بعد (نوكيا) و(سامسونغ) و(موتورولا) وهي تستأثر بحصة مقدارها 8% من السوق العالمية، وقد حققت (سوني أريكسون) نسبة نمو قدرها 43% مما جعلها مصنِّعة الهواتف النقالة الأسرع نموا في الربع الثالث من عام 2006 تاركة (موتورولا) خلفها بنسبة نمو قدرها %30، وتعتبر (سوني أريكسون) اليوم ثاني أكبر مصنِّع للهواتف النقالة تحقيقا للأرباح بعد شركة (نوكيا).
ليست هذه دعاية مجانية لشركة (سوني أركسون) وإنما هو مثال حي لبعض الحلول العملية الفعالة التي تلجأ الشركات التجارية والمؤسسات الربحية لها عندما تواجه خطر الخسارة ويهددها شبح الإفلاس فتختار أكثر الطرق أمانا وأنجع الوسائل للخروج من مشاكلها، وإن كان هذا لم يَحُلْ دون تأثر الشركة بالأزمة المالية العالمية، شأنها شأن غيرها من الشركات في جميع أنحاء العالم.
حيث أعلنت بكل شفافية أن صافي خسائرها وصل إلى 293 مليون يورو مقابل أرباح صافية قدرها 133 مليون يورو خلال الربع الأول من العام الماضي، وتراجع إجمالي حجم أعمالها خلال الربع الأول من العام الحالي بنسبة 36% بسبب تراجع ثقة المستهلكين في الأوضاع الاقتصادية ومشكلات التوزيع ومبيعات التجزئة.
إن أول ما تفعله الشركات الذكية عندما تواجه أزمة مثل الأزمة المالية التي يواجهها العالم الآن هو التفكير في المخرج المناسب، وأنسب مخرج لما نواجهه الآن هو الاندماج في كيانات كبرى تقلل من المخاطر وتقلص الخسائر، وهذا هو ما لجأت إليه ثلاث من أكبر شركات التأمين اليابانية لحماية نفسها من الأزمة المالية العالمية، وقد ارتفعت أسهم شركات (متسوى سوميتو مو) و(أيوي إنشورانس) و(مجموعة ناساي دوا) على أمل أن يؤدي الاندماج إلى زيادة الأرباح وخفض المنافسة بينها.
إن من يطلع على تاريخ شركة الخدمات الحاسوبية الأميركية (ياهو!) التي تقوم بإدارة بوابة الإنترنت المعروفة ودليل الشبكة وخدمة البريد الإلكتروني ومحرك البحث والخدمة الإخبارية، يجدها سلسلة من الاستحواذات على العديد من المواقع وشركات الاتصالات الأخرى وخدمات البريد الإلكتروني الخاصة ومواقع الألعاب وشركات التسوق المباشر ونوافذ الدردشة الإلكترونية.
هذه الاستحواذات التي تكونت منها هذه الشركة العملاقة التي نشاهدها الآن بعد أن كانت مجرد مشروع صغير أسسه خريجا جامعة ستانفور (جيري يانغ) و(ديفيد فيلو) تحت مسمى (دليل جيري لمواقع الإنترنت) تحوّل عام 1994 إلى (ياهو!) لينمو ويصبح أكثر المواقع زيارة على شبكة الإنترنت إلى الدرجة التي جعلت شركة (مايكروسوفت) تتقدم في الأول من فبراير عام 2008 بعرض شراء لها بسعر 31 دولار أميركي للسهم الواحد، أي ما يعادل 6,44 بليون دولار للاستحواذ على البوابة ككل، وكانت على وشك أن تمتلكها لولا رفض مجلس إدارة (ياهو!) للعرض بسبب انخفاض قيمته في نظرهم!
ولا يزال اندماج كل من (ياهو!) وشركة (مايكروسوفت) يشكل بعبعا لشركة (جوجل) كما صرح مسؤولوها الذين يحاربون هذا القرار بحجة قانون الاحتكار ودعوى أن (مايكروسوفت) و(ياهو!) ستصبح لهما الحصة الأكبر من عدة تطبيقات ؟
مثل برامج التراسل والبريد الإلكتروني ؟ حيث إن (جوجل) لا تتميز بالتفوق في هاتين النقطتين، وبالتالي سيكون لهما التفوق في عدد المستخدمين، الأمر الذي قد يؤدي إلى تنصيب (مايكرو سوفت) الملك المتوج للإعلانات عن طريق الإنترنت، نظرا لأنها تملك أكبر مساحة إعلانية، فتصبح هي المتحكم بالإعلانات ملغيةً بذلك بقية الخيارات.
إن ثقافة الاعتراف بالخطأ ما زالت تنقصنا، وليس عيبا أن نعترف بأخطائنا أو حتى بفشلنا، لكن العيب كل العيب هو الاستمرار في الخطأ ومراكمة الفشل، وإذا ما رأينا أن لدينا بعض الشركات والمؤسسات التي تعاني أزمات ـ ربما سرّعت في ظهورها الأزمة المالية العالمية الأخيرة وإن لم تكن هي السبب المباشر فيها ـ فإن هذه الشركات والمؤسسات لا حل أمامها سوى الاندماج للخروج من النفق الذي تكاد تختنق فيه، إن لم تكن قد اختنقت فعلا.
كاتب إماراتي