لقي بابا الفاتيكان خلال زيارته للأردن الترحيب الذي يستحقه، فهو رجل دين يحتل مكانة عظمى بين المسيحيين الكاثوليك في العالم، كما أنه رجل سياسة باعتباره بمثابة رأس الدولة في الفاتيكان وله تمثيل دبلوماسي رسمي في معظم عواصم العالم.
وقد عبر عن اهتمام وتقدير واحترام للاسلام والمسلمين، لذلك فإن زيارته هي رسالة في حد ذاتها حول ضرورة الوئام والانسجام بين أبناء البشر مهما كانت انتماءاتهم الدينية، وقد أثبتت وقائع التاريخ ان مفهوم التعايش بين اتباع الديانات المختلفة هو حتم لا بد من استيعابه واعتماده سبيلاً للعيش المشترك وإسباغ حالة الأمن والسلم في العالم.
ولأنه يحظى بالاحترام والتقدير لذلك ينبغي أن يكون جزء من رسالته موجها إلى إبراز معاناة الفلسطينيين من الاعتداءات الاسرائيلية، فكلما كبرت الشخصيات كانت أقدر على مواجهة الضغوط وأقدر أيضاً على امتصاص الاستفزازات.
وضمن هذه الاستفزازات محاولة اسرائيل عزل الفلسطينيين ومحاصرتهم خلال الزيارة للحيلولة دون إطلاع البابا على حجم المعاناة التي يعانيها الفلسطينيون في ظل الاحتلال الاسرائيلي.
ومن ثم فعلى البابا ان يكون منصفاً لقضية الفلسطينيين كاصحاب حق وضحية احتلال جاثم على صدورهم، ولعل منظر جدار الفصل العنصري الذي سيكون على مقربة منه وهو يزور مخيم عايدة في بيت لحم بالضفة الغربية المحتلة شاهداً واضحا على عزلة الشعب الفلسطيني وهو على أرضه.
لقد دأبت اسرائيل على عزل الفلسطينيين خلال زيارة الشخصيات العالمية الى القدس خاصة لإعطاء الإيحاء بأن القدس الموحدة هي عاصمة اسرائيل ومن ثم فهي (أي دولة الاحتلال) تلجأ الى تكميم أفواه الفلسطينيين ومنعهم من الحديث إلى زوار المدينة المقدسة.
وقد بدأت ملامح الخطة الاسرائيلية لعزل الفلسطينيين عن البابا من خلال الاستعدادات الأمنية التي ترتب لها قبل الزيارة، وكذلك من خلال رفض التنسيق مع الجانب الفلسطيني باعتباره أحد مكونات السكان في المدينة المقدسة ونشر الاعلام الاسرائيلية في كل مكان بالقدس حتى على المقدسات الاسلامية التي من المقرر أن يزورها البابا.
وقد قررت السلطة الوطنية الفلسطينية مقاومة هذا العزل الاسرائيلي بإقامة مركز صحفي لمساعدة الصحفيين الراغبين في تغطية وقائع الزيارة، ومن ثم فإن النظر بعين الاهتمام لرغبة الفلسطينيين في إظهار وجودهم بالمدينة المقدسة أمر شديد الأهمية.
فالشعب الفلسطيني بمكوناته من المسيحيين والمسلمين ناضلوا ويناضلون من أجل حق مشروع ويستحقون موقفاً متعاطفاً من جانب رأس الكنيسة الكاثوليكية.
إنه موقف سياسي مطلوب من رئيس دولة يحظى باحترام العالم ويعترف بقرارات الأمم المتحدة وميثاقها، وهو مسار سياسي منفصل عن أي توظيف أيديولجي للدين بل إنه يعزز فرص إظهار بابا الفاتيكان على أنه يؤمن بالتعايش السلمي وحق الشعوب في نيل استقلالها والتمتع بحريتها داخل دولة ذات سيادة.
واذا كان البابا يحرص على علاقات طيبة مع العرب والمسلمين فها هي فرصته لإثبات ذلك مع بدء زيارته للقدس غداً.
