لا توجد قضية بيعت وأنفقت عليها الدماء والأموال، وتوزعت حولها الولاءات مثل القضية الفلسطينية، وأزمتها أخلاقية وإنسانية قبل أن تكون سياسية، لأن من ضحوا من أجلها في ميادين المعارك العسكرية أو الذين استشهدوا بسلاح إسرائيل، أو الفصائل المتناحرة، أو الذين جعلوها قطاراً لأكثر من اتجاه من أجل المزايدات والبيع العلني، كانت لهم همّاً وسلعة كاسبة للبعض، وخاسرة لآخرين.
والمشكلة أنها تنتقل من حالة استقطاب لأخرى بينما الهدف متحدد منذ مأساة ١٩٤٨، لكن لا الذين أقاموا المتاريس وحالات الطوارئ وخوض الحروب باسم تحرير الأرض، ولا الذين يحاربون بدفاتر "الشيكات" من صحفيين وسياسيين، مدفوعة من القوى المتكسبة وضعوها هدفاً واضحاً، بحيث تبقى المسائل معروفة.
أي أن أمامنا شعباً طُرد من أرضه، بواسطة قوى لا تزال ترى في إسرائيل عمقها الروحي والاستراتيجي، وأن من يعرف كيف تدار المعارك العسكرية والدبلوماسية، أن الأخذ والعطاء بدون غطاء يحمي هذه المطالب هما اللذان كرَّسا الاحتلال، وقسَّما العرب، ولحقهم مسلمون بعضهم يرفع شعارات الخمسينيات والستينيات وآخرون وجدوها فرصة لجعل العرب مجرد تابعٍ لأميركا عاجزٍ عن أن يقدم ورقة طلاق مع الهزيمة.
لكن حين تبحث عن المحتوى، وكيف أن الحرب على غزة كشفت عن المستور، وبأن الذين كانوا أعلى الأصوات بالمحطات الفضائية، والأكثر انتشاراً بوسائل الإعلام المطبوعة والمسموعة، هم من تقاعسوا عن المساهمة المادية والعينية في إنقاذ شعبها من الجوع والمرض وإعادة بنائها ، والمؤلم الأكبر أن الذين يشايعون المانحين بالسكوت أو الاتهام، يركضون خلف سراب أصحاب الشعارات، وبالتالي ليس غريباً أن نجد من بين الفلسطينيين من هو ضد قضيته، وبدون أسماء أو إعلانات مدفوعة الثمن..
لقد رفع الرئيس الحبيب بورقيبة شعار "خذ وطالب" فسمي عميلاً، وقبله رُفضت مشاريع التقسيم بين الفلسطينيين والإسرائيليين لتبقى متواليات حسابات الخسائر تأتي بالناقص إذ أننا فقدنا النسبة العليا من الأراضي، وزاد الفقر، وتعالت نسب المواليد المعرضين للعديد من المفاجآت غير السعيدة، وحتى عندما كان الاتحاد السوفياتي والصين، ودول عدم الانحياز غطاءً إيجابياً كان استثمار تلك المراحل يذهب للثورية والنضالية على حساب مفهوم تحرير الأرض.
والآن هناك خلف الأبواب توضع لوائح جديدة لتقسيم التقسيم، أي أن إسرائيل لا تزال قوة لديها الموانع من أي صدمات تنشأ من أميركا وغيرها، ولديها رصيد كبير من الرفض، والنسبة الضئيلة من القبول بالسلام، ومعيار نجاحها تقيسه على عرب يعيشون حالة التشرذم والشتات ومعهم فصائل فلسطينية متناحرة، وآليات العمل موكولة لأطراف أخرى تعمل على رفع رصيدها من الدول المستفيدة من عملية المقايضة بين موقف يأتي على حساب الفلسطينيين، وآخر يمنحهم الصوت بدون الفعل، والصورة الواضحة..
القضية تعود للأضواء، لكن أمام حكومة إسرائيلية متطرفة فالحلول في حالة إغماءة طويلة ..وحتى يستفيق العرب ويتلاحم الفلسطينيون، فكل المؤشرات تأتي لصالح العدو القوي..
