تحدثنا في المقالة الماضية عن إيران وسياستها الخارجية وذكرنا بأن السياسة الخارجية الإيرانية قائمة في الأساس على أسس الواقعية السياسية أكثر مما هي قائمة على أسس الأيديولوجية، أي أن إيران تنظر بعين الاعتبار إلى تطويع سياستها الخارجية من أجل تحقيق مصلحتها المتمثلة في حماية نظامها السياسي من الأخطار الخارجية والداخلية أكثر من أي شيء آخر.

وبالتالي فإن ما تفعله إيران من تطوير لقدراتها العسكرية التقليدية وغير التقليدية وما تقوم به من دعم لحركات المقاومة المسلحة في العالم العربي وما تسعى له من العمل على خلق نفوذ لها في دول عربية مختلفة إنما يأتي في سياق العمل على تحقيق التوازن في القوة العسكرية والسياسية لإيران مع الولايات المتحدة وحلفائها الذين يهددون إيران ونظامها السياسي بالتغيير.

إيران تعتبر أن ما تفعله هو أمر طبيعي من أجل حماية مصلحتها الوطنية في عالم يتصف بالأناركية في تركيبته، الأمر الذي يفرض على الدول أن تخدم نفسها بنفسها من أجل حماية مصالحها الوطنية.

وباعتبارنا ممن يوصفون بالمنتمين إلى قائمة المدرسة الواقعية الذين قضوا فترة من الزمن يتعلمون أسسها وأصبحوا اليوم من الذين يدرسونها لتلاميذهم فإننا نتفهم المسعى الإيراني ونتفهم ما تقوم به إيران ولكننا يجب أن نتوقف هنا عند نقطتين مهمتين جداً فيما يتعلق بالمدرسة الواقعية والسلوك السياسي الإيراني الخارجي لما لها من تأثير كبير على الدول المجاورة لإيران في المنطقة لاسيما دول الخليج العربي.

أولى هذه النقاط هي أن التنظير للواقعية السياسية يأخذنا إلى نموذجين أساسيين في تفسير السياسات الخارجية للدول وهما: الواقعية الدفاعية والواقعية الهجومية. لقد كان كينيث والتز أشهر من تحدث عن الواقعية الدفاعية حيث ذكر بأن الدول وفي ظل النظام الدولي القائم على الأناركية فإنها تعمل على كسب درجة عالية من القوة التي تخولها الحفاظ والدفاع عن وجودها ككيان سياسي ضد جميع التهديدات الخارجية والداخلية لها. فالدول ترفع من قدراتها العسكرية من أجل الدفاع عن نفسها وفقاً لهذا الخط من الواقعية.

أما عن الواقعية الهجومية فهي كما تحدث عنها جون ميريشايمر فإنها تتحدث عن أن الرغبة الفعلية للدول في رفع قدراتها العسكرية ليست في سعيها نحو الدفاع عن نفسها وحسب وإنما من أجل أيضاً التوسع وفرض الهيمنة على الآخرين. هذان النموذجان يعتبران هامين في فهم النظرية الواقعية وفي تفسير السياسة الخارجية لأي دولة.

وبالتالي فإن المتابع للسياسة الخارجية الإيرانية ذات التوجه الواقعي السياسي لا يستطيع إلا أن يتوقف عند هذين النموذجين من أجل دراسة واقع الحال. فالسؤال الذي يجد الأحقية في أن يذكر هنا هو أنه طالما أننا سلمنا بأن إيران دولة تتبع الواقعية السياسية فأي من النموذجيين السالفين تتبعه إيران؟

أي هل إيران دولة واقعية دفاعية وبالتالي فإن ما تفعله من رفع لقدراتها العسكرية إنما يصب في خانة العمل على الدفاع عن نفسها من المخاطر التي يمكن أن تهدد كيانها ونظامها السياسي، أم أنها دولة واقعية هجومية وبالتالي فإن ما تفعله هو من أجل الهيمنة والسيطرة على الآخرين.

الواضح أن إيران تود حماية نفسها ولكن ما تقوم به من رفع لقدراتها العسكرية إنما يؤدي إلى إخلال بمبدأ التوازن في القوة الموجود في المنطقة لصالح إيران مما يعني أن إيران شاءت أم أبت فإنها تسير نحو فرض هيمنتها على الدول المجاورة لها غير قادرة على تحقيق التوازن مع إيران؛ فإيران وإن تبدو واقعية دفاعية فإنها بالأساس واقعية هجومية في ذات الوقت حيث ان قوتها لا تجد من يوازيها من بين بعض الدول المجاورة لها فتصبح دولة ذات طموح هيمني.

وثاني النقاط هي أن التنظير للواقعية السياسية يجرنا إلى المبدأ الواقعي القائل أن على الدول أن تخدم نفسها بنفسها من خلال العمل على رفع كفاءتها وقدراتها العسكرية إلى درجات تتماشى مع الدول الأخرى المنافسة لها.

وهذا الأمر هو ما تفعله إيران حيث أنها تحاول تحقيق هدف التوازن الإقليمي في القوة مع الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة. ولكن ما لم تدركه إيران هو حقيقة أن استمرار إيران في رفع قدراتها العسكرية سيؤدي أيضاً بالدول الأخرى إلى رفع قدراتها العسكرية باعتبارها دولاً واقعية التوجه وتريد حماية مصالحها من خلال تحقيق التوازن في القوة.

إلا أن العمل المستمر من قبل دول المنطقة في زيادة قدراتها إنما يؤدي إلى بروز ما يسمى بـ «معضلة الأمن» والتي تقول ان الدول الساعية لرفع قدراتها العسكرية إنما تعتقد بأن مثل هذا العمل سيحقق لها الأمن والاستقرار ولكن ما لا تدركه هذه الدول هو أن عملها هذا إنما يزيد من حالة سباق التسلح في المنطقة بين الدول المختلفة مما يجعل أمن الدول واستقرارها عرضة للخطر أكثر من ما هو عرضة للاستقرار. فالتسلح يؤدي إلى مزيد من التوتر الذي قد يودي إلى حالة من الفلتان الأمني الذي لن ينفع أحداً في المنطقة.

فاعتقاد إيران أن سعيها في زيادة قدراتها العسكرية سيجلب لها الأمن والاستقرار هو أمر مبالغ فيه بالنسبة للواقعية السياسية حيث أنه قد يأتي بمعضلة الأمن التي قد يهدد من خلالها أمن واستقرار الدولة.

أياً ما كان الحديث فإن السياسة الخارجية الإيرانية متجهة نحو تغليب مصلحتها الوطنية في عالم تقول فيه المدرسة الواقعية بأن البقاء فيه للأقوى الذي يجب أن يعمل على تحقيق التوازن مع منافسيه أو الإخلال بالتوازن لصالحه.

جامعة الإمارات

< a href="mailto:binhuwaidin@hotmail.com ">binhuwaidin@hotmail.com