لا يعبر المرء النهر مرتين، فالتغيير سنة الحياة، ولا تنفصل الحركة السرمدية المستمرة أبدا عن كل زمان وكل مكان.. هذه فلسفة سقراط، الفيلسوف والعالم العظيم الذي وضع مبادئ التغير والجدلية.
ولد سقراط قبل المسيح بحوالي 469 سنة وتوفي 300 ق م وعاش حوالي 70 عاما وهو معلم أفلاطون، من مؤسسي المدرسة المثالية التي تنادي بخلود الروح والتي تقول بأن الموت ليس نهاية الإنسان فالموت إما نوم بلا أحلام وإما انتقال بالروح إلى عوالم أخرى جديدة.
رفض سقراط تعدد الآلهة عند اليونان وأكد على أن جهل الإنسان وخوفه هما السببان الرئيسان في الإيمان بتعدد الآلهة.
اعتمد سقراط مبدأ الحوار وتوجيه الأسئلة، وكان يعلّم الناس في الأسواق والشوارع، ووضع الأسس الأولية لمبادئ الجدلية ومناقشة الحقائق الخاصة للوصول من خلال الحوار إلى الحقائق الكلية.
كان سقراط الفيلسوف من أسرة فقيرة، أبوه نحات وأمه قابلة وكانت مهنته غسل التماثيل، وكان قبيح الشكل قصير القامة جاحظ العينين أفطس الأنف، ولكن على الرغم من قبح شكله إلا انه تملّك قلوب الناس بروحه الجميل وبعقله المتسائل وبقلبه المفتوح للجميع لذلك أحبه الناس جميعا وخاصة النساء، وربما بسبب شكله القبيح كان يعتقد بأن النساء الجميلات فارغات العقول من الحكمة.
يرى قدماء الإغريق أن المرأة تلهث وراء ما هو زائف وبراق ولا تؤمن بالروحانيات على عكس الرجل. كما يعتقدون بأنها كائن غير موثوق به، لذلك يروى لديهم أن آلهة الجمال (فينوس) خانت زوجها وأنجبت (كيوبيد) إله الحب.
لهذا السبب وذاك وعلى ما اعتقد اختار سقراط امرأة غير موفورة الجمال ليتزوجها، لكنه لم يكن محظوظا في اختياره فلقد قلبت حياته نكدا وكانت سليطة اللسان غير ذكية، ومع الزمن جاءت اللحظة التي يهفو فيها قلبه لفتاة إغريقية جميلة جدا وكانت تنتسب إلى عائلة من الأشراف، في حين كان هو من عائلة فقيرة، وارتبط معها بعلاقة حب روحية عذرية.
وكما يقال بأنها قبل أن تلتقي بسقراط كانت معجبة بأفلاطون الفيلسوف والشاب الوسيم الطويل ذي الجسم المثالي الرياضي، لكن ما إن التقت بسقراط حتى تمكن من قلبها وعقلها، كانت هذه الفتاة إحدى طالبات سقراط وعمرها 21 سنة وكان الفيلسوف آنذاك في الثالثة والستين من عمره. وعندما سألها سقراط عن رأيها في أفلاطون، أجابت: ما هو إلا طفل بجانبك.
ارتبط سقراط مع حبيبته بعلاقة روحية لا مثيل لها فلقد أحبته حبا جما ومرضت من شدة حبه، فأسرت إلى أمها بسرها فما كان من الأم وهي ترى ابنتها على حافة الهلاك إلا أن استدعت سقراط، وما إن دخل عليها وامسك بيدها وقبلها على جبينها حتى احمرت وجنتيها خجلا وعادت الحياة إلى محياها، وفي تلك اللحظة وبحضور الأم أعلنا سويا الزواج الروحي الأبدي.
سقراط صديق البساطة وعدو التعقيد اللفظي والمعنوي، وعلى المتحذلقين ومحبي استخدام الكلمات المعقدة والمصطلحات الصعبة أن يأخذوا درسا عنه، ظل على إيمانه بمبادئه طيلة حياته، ورفض المذهب السائد آنذاك في تعدد الآلهة والذي كان سببا في محاكمته التاريخية، حيث حكم عليه بالإعدام، وفرض عليه اختيار السم الذي يتجرعه، وقد حاولت حبيبته بشتى الوسائل العمل على تخفيف الحكم عنه أو أن تثنيه عن جهره بما يؤمن، إلا أنه فضل أن يضحي بنفسه من أجل مبادئه وأفكاره.
يقال إنه ما إن بلغ النبأ إلى مسامع حبيبته وزوجته الروحية بأن سقراط تجرع الشوكران وفارق الحياة حتى اختارت نوع السم نفسه وأنهت حياتها بيدها من أجل أن تلتقي بحبيبها وتتخلد معه في العالم السرمدي الآخر.
كاتبة بحرينية