لا شك أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد استوعب جيداً الدرس من تجربة الدكتور بطرس غالي حين أصر علي تقديم تقريره حول مذبحة قانا والذي حمل الإدانة الكاملة لإسرائيل، رافضاً كل المحاولات الأمريكية التي قادتها وزيرة الخارجية وقتذاك مادلين اولبرايت لمنع التقرير أو حذف الإدانة..

فكانت النتيجة أن نفذت اولبرايت تهديدها لبطرس غالي بأن التقرير سيكلفه غاليا، وفقد الدكتور غالي موقعه في معركة التجديد رغم أن أربع عشرة دولة من أعضاء مجلس الأمن كانت معه، لأن الولايات المتحدة أصرت على قرارها باستبعاده.

الأمين العام الحالي بان كي مون يعرف ذلك جيداً، كما أنه ليس في وارد الخروج على الطاعة الأمريكية، أو التشدد في مواجهة إسرائيل، لذلك لم يجد مانعاً من تخفيف لهجة تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة الذي يدين إسرائيل في جريمة قصف المنشآت التابعة للمنظمة الدولية أثناء العدوان الهمجي علي غزة وقتل وإصابة المدنيين الفلسطينيين الذين احتموا بها.

والأهم من تخفيف لهجة التقرير هو أن الأمين العام قطع الطريق على مطالبة التقرير بتشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة في كل الممارسات الإسرائيلية أثناء العدوان علي غزة.

حيث أعلن بان كي مون انه لا يعتزم إجراء مزيد من التحقيق في الحرب علي غزة، كما أعلن أن تقرير اللجنة لا ينطوي على أي صبغة قانونية، وهو ما يهدئ من المخاوف الإسرائيلية من أن تستمر التحقيقات وأن تقود إلى تعرض قادة الحرب السياسيين والعسكريين إلى المساءلة القانونية الدولية.

ومع ذلك تبقى للتقرير قيمته الكبيرة، ويبقى الطريق مفتوحاً لمحاصرة العدو الإسرائيلي بجرائم الحرب التي لم يتوقف يوماً عن ارتكابها ضد العرب، خاصة حين يتزامن هذا التقرير الخطير مع الإعلان عن تحقيق للجنة مكافحة التعذيب التابعة أيضا للأمم المتحدة مع إسرائيل بشأن استخدام «مركز سري» لاعتقال الفلسطينيين واستجوابهم وتعذيبهم في الأرض المحتلة، ويتزامن أيضا مع قرار القضاء الأسباني مواصلة النظر في الدعوي المرفوعة من المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان ضد وزير الدفاع الإسرائيلي السابق بن اليعازر وعدد من كبار القادة العسكريين الإسرائيليين بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بسبب الغارة الإسرائيلية على غزة في يوليو 2002.

وبالطبع.. لن تسكت إسرائيل، ولن تتوقف محاولاتها لوقف هذه الموجة من الإدانة التي تكشف حقيقتها وتفضح ممارساتها النازية، وستجد الدعم من المنظمات الصهيونية العالمية، ولكن المهم هو.. كيف نتحرك نحن؟

وكيف نجعل من فضح جرائم إسرائيل عملاً يومياً لأجهزة عربية متخصصة؟ وكيف نجعل من محاكمة المسؤولين الإسرائيليين عن جرائمهم أمام المحاكم الدولية هدفاً قد لا يتحقق اليوم ولكن يمكن تحقيقه غداً؟ وكيف نستفيد من كل ذلك في محاصرة إسرائيل وتجريدها من كل قيمة أخلاقية أمام العالم؟ وكيف نستفيد من وجود حكومة نتنياهو الحالية بكل عنصريتها وتطرفها لكي نضع الكيان الصهيوني تحت الحصار حي يمتثل لحكم القانون وللشرعية الدولية ولإرادة العالم في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة؟

ولو كنا ـ في العالم العربي ـ نعمل باستراتيجية واحدة تتكامل فيها الأدوار وتتضح الرؤية، لما تركنا عنصرياً كريها مثل وزير الخارجية الإسرائيلي ليبرمان يتجول في عواصم أوربا، ولطاردناه في كل مكان كنموذج لكل ما تقول أوروبا إنها ترفضه وتحتقره من عنصرية تصل إلى حد التهديد بطرد الفلسطينيين داخل أرض 48، ومن فاشيته تصل إلى التهديد بضرب السد العالي بالقنابل النووية.

ولو كنا نملك هذه الاستراتيجية، لطاردنا كل مسؤول إسرائيلي في كل مكان يحاول أن يمارس سياسات الخداع الإسرائيلية، وقدمنا من خلال عمل دءوب لمنظمات أهلية متخصصة، ومن خلال جهد دبلوماسي مساند، الصورة الحقيقية لإسرائيل لرأي عام طال تضليله.

وبدأ الآن يعرف الحقيقة، ويدرك أن الذين قدموا أنفسهم له على أنهم ضحايا ليسوا إلا مجرمي حرب، بمن فيهم رئيس الدولة شيمون بيريز المسؤول عن مجزرة «قانا» الذي مازال يدعي انه من أبناء اليسار، والذي يجد الجرأة الآن ليذهب إلى أمريكا مبشراً بأن نتانياهو سيفاجئ العالم بأنه «صانع سلام !!».

إسرائيل ستفعل المستحيل لكي تجهض محاولات إدانتها ومحاكمتها علي جرائمها، وستفعل ما هو أكثر من المستحيل لمواجهة الاتجاه المتزايد لتبني خطة سلام دولية على أساس حل الدولتين بعد تأكيد الرئيس الأميركي أوباما على هذا الحل واعتباره مفتاحاً لاستقرار المنطقة واعتباره أيضا مصلحة أميركية.

وإذا كان المطلوب منا تجاوز الانقسام الفلسطيني والعربي والتمسك بموقف صلب لضمان عدم تقديم أي تنازلات جديدة، فإن المطلوب أيضا إدراك أن المعركة سوف تحسم على الأرض وليس في قاعات المفاوضات، وأن نجاحنا في حصار إسرائيل وكشف حقيقتها جزء هام من هذه المعركة، لأنه يضع إسرائيل ليس فقط في مواجهتنا بل في مواجهة العالم كله شعوبا وحكومات، أو شعوباً قبل الحكومات.

لقد نجحوا لسنوات في أن يفرضوا على فلسطين (شعباً وقضية) حصاراً ظالماً وغير قانوني. وأمامنا الفرصة لننهي ذلك، ولإقناع العالم بأن فرض الحصار على مجرمي الحرب الحقيقيين في إسرائيل هو وحده الذي يفتح أبواب السلام.

كاتب صحافي مصري

elsadattt@hotmail.com