منذ استقلال باكستان في عام 1947 وعلى مدى أكثر من ستين عاما حتى اليوم ظلت العقيدة القتالية للجيش الباكستاني هي تحرير إقليم كشمير المسلم الواقع منذ ذلك الحين تحت احتلال هندوسي. ولذا فإن «عدو الوطن التقليدي في نظر الشعب الباكستاني ومؤسسته العسكرية هو الهند وليس الجماعات الإسلامية المحلية ـ وفي مقدمتها تنظيم طالبان المسلح.
هذه هي الحقيقة المحورية الكبرى التي لا يريد الأميركيون أن يتفهموها. وهذا هو السبب في أن التدخل العسكري الأميركي في باكستان ينتقل من فشل إلى فشل. مؤخراً قال الجنرال الأميركي ديفيد بتراوس قائد «القيادة الوسطى» الأميركية التي تقع باكستان ضمن مهامها الاستراتيجية إن باكستان تواجه خطراً أعظم من «التطرف المحلي». فرد عليه جنرال باكستاني قائلاً: هذا كلام فارغ المضمون!
لهذا يتردد الجيش الباكستاني في شن معارك ضد طالبان الباكستانية وأخواتها رغم تواتر الانتقادات الأميركية.. وهي انتقادات تشمل القيادة المدنية بقدر ما تشمل القيادة العسكرية. فالحكومة الباكستانية التي يقودها آصف زرداري تحرص على عدم الضغط على قيادة الجيش خشية استفزاز عناصره خصوصا شباب الضباط.
حتى الدكتاتور السابق الجنرال برويز مشرف الذي كان مواليا تماما للولايات المتحدة لم يكن يستجيب للضغوط الأميركية بقدر كافٍ. ففي عهده كان يأمر أحيانا باعتقال عدد من عناصر الجماعات الإسلامية القتالية ليأمر مرة ثانية بإطلاق سراحهم في غضون أيام أو أسابيع معدودة.
وشيء من هذا القبيل يحدث الآن في عهد زرداري. ومن ذلك مثلا أن الجيش أطلق سراح أحد القيادات «المتطرفة» التي تدعو إلى تطبيق الشريعة الإسلامية. وكانت قيادة الجيش قد أمرت باعتقاله بناء على طلب أميركي. وبعد أن أطلق سراحه توجه إلى المسجد وصعد إلى المنبر وخطب في المصلين مناديا بالشريعة. ومع ذلك لم يعتقل مرة أخرى.
صفوة القول إن معظم الجماعات الباكستانية المسلحة التي تصنفها الولايات المتحدة كمنظمات «إرهابية» قد أنشئت أصلا لمحاربة القوات الاحتلالية الهندية في كشمير. وهكذا تلتقي عقيدتها القتالية مع العقيدة القتالية الرسمية التي تربى عليها ضباط الجيش الباكستاني الرسمية التي تربى عليها ضباط الجيش الباكستاني جيلا بعد جيل.
لا ينبغي إذن أن يكون مثار دهشة والحال كذلك أن كوادر هذه الجماعات تلقت تدريبها القتالي على أيدي ضباط رسميين. كما لا ينبغي أن يكون مثار دهشة أن قوات الجيش لا تتجاوز بقدر كافٍ مع الإلحاح الأميركي على أن يتولى الجيش مهمة قتالية ضد الميليشيات القبلية المتحالفة مع كل من طالبان الباكستانية وطالبان الأفغانية. فقيادة الجيش تريد أن تدخر هذه الميليشيات للقتال مستقبلا في كشمير ضد القوات الهندية. وهذا ما لا تريد واشنطن أن تفهمه.