كما يبدو لا يزال نهج الإدارة الجمهورية اليمينية الراحلة يفرض سطوته على صانع القرار في الإدارة الديمقراطية التي خلفتها في البيت الابيض، رغم شعارات التغيير التي يرددها رئيس الإدارة بارك اوباما ومن ذلك نهج العقوبات الذي عنون سياسة الإدارة السابقة في علاقاتها مع البلدان التي لا ترضخ لمشيئتها، وخاصة فيما يتعلق بالصراع في الشرق الاوسط، ويتضح هذا من خلال قرار تجديد العقوبات الاميركية على سوريا الذي جاء في الوقت الذي تتقاطر فيه الوفود الاميركية على دمشق، بزعم دعم سوريا لجماعات مسلحة في المنطقة.

لقد قدمت سوريا والعرب كل مرونة ممكنة من اجل استئناف عملية السلام، وعلى حساب مصالحهم وحقوقهم الثابتة، لكن اسرائيل تريد المزيد من التنازلات العربية حتى تبدي (مرونة) امام تكرار (الحث) الأوروبي والاميركي لاستئناف عملية السلام، ولو ان الاميركيين والاوروبيين لجأوا إلى معايير موحدة للتعامل مع الطرفين (اسرائيل والعرب) لكان ذلك حافزا على الاقتراب من الحلول الوسط، لكن تكرار (الحث والمناشدة) لاسرائيل واللجوء لاسلوب الضغط على الطرف الآخر كان هو العنصر الاول المعوق امام السلام.

فالأنباء الاخيرة اشارت إلى تقارب نسبي بين دمشق وواشنطن وتكررت زيارات مسؤولين اميركيين ومبعوثين لاستطلاع وجهات النظر وتحقيق تقارب ملموس ، لكن المشكلة أن زوار سوريا يذهبون اليها حاملين مطالب اسرائيلية ووعيدا اميركي واولها المطلب الشهير القائل بالتنازل عن اجزاء من الجولان وشريط بحيرة طبريا.

ورغم تأكيد مساعد وزيرة الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان على اعتماد الدبلوماسية اساسا لحل النقاط الخلافية لم تمض ساعات على هذه التصريحات حتى صدر قرار تجديد العقوبات على سوريا.

حسنا كيف لنا أن نفهم الموقف الاميركي من سوريا في ضوء هذه التناقضات؟ ان التفسير الوحيد لهذا التناقض هو ان اصابع اسرائيل التي اشتدت وقويت واثرت كثيرا في القرار الاميركي خلال حقبة حكم الرئيس السابق جورج بورش وفريق اليمنيين الجدد لا تزال تملك نفس التأثير رغم محاولة اوباما والديمقراطيين الإيحاء بانهم عازمون على اعتماد الحوار كسبيل لمعالجة كل النتائج المأساوية التي تمخضت عنها سياسة بوش الخارجية.

والحقيقة أن الضغوط لا تمارس على سوريا وحدها بل على كل العرب وقد أحبط الاجتماع الوزاري العربي في مقر جامعة الدول العربية بالقاهرة امس الاول آخر الضغوط لتغيير مبادرة السلام العربية المطروحة منذ عام 2002 دون أن تقبلها اسرائيل ولا شك أن هذا الموقف العربي الموحد أثار حفيظة انصار اسرائيل فدفعوا باتجاه ابداء التشدد وتجديد العقوبات على سوريا كمحاولة لإظهار (العين الحمراء) على الطريقة الممجوجة التي اعتادتها اسرائيل وداعموها من ورائها. وقد اثبتت التجارب أن العقوبات الاميركية تزيد الموقف السياسي قوة في الدول التي تتعرض لهذه العقوبات، وسيظل الامر كذلك حتى تتغير الذهنية الاميركية بالكامل تجاه مسار السلام.