في خطاب تاريخي ، يليق بحدث مشهود ، الا وهو زيارة البابا بندكت السادس عشر للاردن ، اكد جلالة الملك جملة حقائق وقضايا هامة ، تجمع المسلمين والمسيحيين وكل المؤمنين بالله ، وفي مقدمتها ضرورة الالتزام بقيم الاحترام المتبادل والتأسيس لحوار عالمي جديد ، قوامه التفاهم والنوايا الطيبة ، وضرورة توسيع هذا الحوار ليقبل بخصوصية الهويات الدينية ، ولا يخاف من نور الحقيقة ، ويعمل على تعظيم القيم والروابط المشتركة بين الاديان.
واسترسل قائد الوطن في استعراض اسس التناغم بين الاديان ، والتي من شأنها انجاح هذا الحوار ، ليؤتى اكله ، وفي مقدمتها الانسانية المشتركة التي تجمع الجميع في عالم مترابط متشابك ، اضافة إلى الوصايا التي نصت عليها الكتب المقدسة «الاسلامية والمسيحية واليهودية» والتي تحض على حب الله تعالى ، وان يحب المرء جاره وهي ترسي مبادىء اساسية ومتلازمة «لا يؤمن احدكم حتى يحب لاخية ما يحب لنفسه».
وفي اشارة ذكية ، قرن جلالته الايمان الحقيقي بالمسؤولية فهو رسالة فحواها ان نعيش بسلام ، وأن نرى العدالة تتحقق ، وان يعمل الجميع بكل اخلاص على منح الامل للاجيال الشابة ، وأن نساعد الفقير ، ونغيث المحتاج ، مؤكدا أن هذا هو التزام الاردن والاردنيين ، ومحور قيم المجتمع الاردني ، فالمسلمون والمسيحيون هم مواطنون متساوون امام القانون ، يشاركو ن جميعا في بناء وطنهم.
ومن هذه الارضية الطيبة المباركة ، انطلقت رسالة عمان القائمة على الكلمة الطيبة ، والموعظة الحسنة «وجادلهم بالتي هي احسن» والتي تبرز الصورة الحقيقية الناصعة للاسلام العظيم ، ولدعوته القائمة على التعاطف والتوادد ، والرحمة والتسامح والاخذ بيد المحتاجين والفقراء والعفو عند المقدرة.
وفي هذا السياق ايضا كما يقول جلالته اطلق الاردنيون مبادرة «كلمة سواء بيننا وبينكم» ووقع على هذه الوثيقة مفكرون وقادة مسلمون من انحاء العالم كافة ، مستذكرا ان ترحيب الاردن بالحجيج المسيحي ، هو تعبير عن احترامنا ومساهمتنا في تعزيز القيم الانسانية النبيلة ، وتعميق التفاهم الاسلامي المسيحي.
إن قائد الوطن وهو ينهل من نبع الايمان ، لم ينس ان يذكر الجميع بضرورة العمل على انهاء الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي عبر التوصل الى حل سلمي ، يلبي حقوق الفلسطينيين في الحرية والدولة ، وحق الاسرائيليين في الامن مؤكدا ضرورة حماية هوية القدس ، والاماكن المقدسة اسلامية ومسيحية ، وضمان حرية العبادة فيها لجميع المؤمنين ، وهذا ما اشار اليه قداسة البابا في كلمته حينما دعا إلى احترام وصيانة الحقوق غير قابلة للتصرف وكرامة كل رجل وامرأة مشيرا إلى أن الحرية الدينية حق انساني اساسي ، ليس في الشرق الاوسط وحسب ، بل في انحاء العالم.
مجمل القول: إن اشادة قداسة البابا بدور جلالة الملك في تعزيز قيم الاسلام النبيلة القائمة على الحوار والكلمة الطيبة ، والموعظة الحسنة وبدور الاردن في نشر رسالة عمان ، وغيرها من مبادرات عززت تحالف الحضارات بين العالمين الغربي والاسلامي ، حيث ساهمت بنفي ادعاءات من يروجون لحتمية العنف والصراع علاوة على جهود جلالته المتواصلة ومبادراته الطيبة الهادفة إلى تعزيز السلام في الشرق الاوسط والحوار بين الاديان ، واقامة سلام عادل وشامل يحرر المنطقة من الارتهان للعنف والتطرف ، كل ذلك يؤكد مكانة الاردن لدى الحبر الاعظم ، ولدى كل المؤمنين والمنصفين ومن هنا ايضا كان ترحيب سبط الرسول الاعظم عليه السلام بقداسته ترحيبا بالغا «نشرع الابواب لكم».
