قيل إن العرب حصتهم من القراءة السنوية عدة سطور، بينما العالم المتقدم يشهد نمواً هائلاً في أعداد من يقرأون ويقتنون الكتاب إلى جانب الوسائط الأخرى التي وفرتها التقنيات المعاصرة، ومع أن الأمية التقليدية كانت بدوائر التربية والتعليم تبني مكافحتها على التمكن من القراءة والكتابة، فالأميات الحديثة وسعت الدائرة إلى انقلاب هائل بحيث أصبح المثقف الذي لا يجيد التعاطي مع الحاسوب أميّا بدرجة امتياز وهو مقياس حقيقي ينبني على أن هذا الجهاز يحوي مكتبات ومراكز معلومات لا تستطيع احتواءها جامعة أو مكتبة عامة أو شخصية..
في أزمنة الأيدلوجيات الشمولية سواء كانت شيوعية أم نازية وفاشية أو استعمارية، كان غسل الأدمغة يأتي من جبروت أجهزة التوجيه الاجتماعي، وصار النشر للتبشير بهذه الأيدلوجيات يدخل في صلب الخطط المركزية، لأن أولويات السيطرة على العقل الاجتماعي لا تأتي إلا من دوائر تتمتع بقدرات كبيرة على صياغة العقول ومع أن المواجهة بين النظراء الغربيين في مواجهة البروليتاريا، بالتوسع بالانتاج ونشر الديموقراطية مع استخدام الأسلحة الإعلامية المضادة، التي أجهزت على الفكر الشيوعي ومدرسته الممتدة على كل الأقطار، والشعوب..
الموضوع لا يتعلق بتلك الآليات وأهدافها، حيث نتعايش الآن مع موجة لا تقل شراسة على التعبئة الأيدلوجية، عندما حاولت منظمات سرية أو علنية جعل الإسلام وسيلة تسييس للعديد من الأفكار، فجاءت الحملة لتبدأ بالنشء الصغير ممن لا يملكون الادراك الجيد ممن تم تلقينهم فكر القاعدة، والأممية الإسلامية، وأن طريق الجنة يبدأ من الجهاد والاستشهاد، ومع أن المدرسة تعد مركز الحضانة لهذا الفكر، فإن مكتبة الطفل والناشئ بدأت فكرة في وزارة التربية والتعليم، لكن كالعادة جاءت (البيروقراطية) لتغلق أهم مشروع بالمدرسة بتوفير كتاب ثقافي بمواصفات تربوية عالية لكل المراحل..
موضوع الكتاب وانتشار المكتبات في الأحياء والأندية والمساجد، وكل مراكز التجمعات البشرية بما فيها المعاهد والجامعات ومحاولة نشر القراءة للجميع بحيث تتحمل الدولة الميزانيات بإيصال الكتاب بسعر رمزي لا يعد تبذيراً أو ترفاً اجتماعياً إذا ما أدركنا أن نشر الوعي الوطني وتكريسه، وخلق مبادرات الشعب القارئ، يعني أننا سنصل إلى مساحات كبيرة في الإدراك والتعامل مع الأحداث الداخلية والخارجية بتحليل موضوعي، لا انفعالي مبالغ فيه، وأن الحرب مع الجريمة والإرهاب وانتشار المخدرات لا يمكن مكافحتها إلا بوعي جماعي، ومن هنا يظل الكتاب والوسائل المساعدة له في نشر ثقافة السلوك السوي قيمة ذاتية لا تقل عن المكاسب الاقتصادية وتوفير الضروريات الغذائية والصحية..
في أوروبا الغربية يحسدون دول الشمال على سعة ثقافة شعوبهم وثرائهم والتزاماتهم بقوانين العمل، وتنفيذ الدساتير، إلى جانب وعيهم الهائل، ونحن في المملكة لا بد من إدراج مشروع الثقافة للجميع بنداً أساسياً، في الخطط والميزانيات حتى نكسر حاجز احتكار الثقافة على نخبة معينة، أو تركها للعبة التجاذب بين متطرفين ومعتدلين لأن إضافة وعي مستمر، تعد الحصانة والتنمية الذاتية والتي على أساسها ينبني مجتمع القدرة والإنتاج.
