عندما بدأت أعي ما حولي وأنا طفل صغير، كان المغفور لهم جميعا الشيخ عيسى بن سلمان حاكم البحرين، والشيخ زايد بن سلطان حاكم أبوظبي وجمال عبد الناصر رئيس مصر، وفيصل بن عبد العزيز ملك السعودية وهواري بومدين في الجزائر والحسن الثاني ملك المغرب والحبيب بورقيبة في تونس ونور الدين الاتاسي في سوريا والملك حسين في الأردن وشارل حلو في لبنان وعبد السلام عارف في العراق.

أتحدث عن فترة ملتهبة هي ما بين العامين 1965 و1966 أولى سنواتي في المدرسة الابتدائية، وبعد قليل سيضاف للقائمة المغفور له ياسر عرفات وجعفر النميري والمغفور لهم احمد حسن البكر وصدام حسين وحافظ الأسد، ومعمر القذافي أطال الله عمره.

وكنت أحفظ أسماء بعض رؤساء الدول الآخرين لا لشيء سوى لكثرة تردد أسماءهم في الأخبار، المستشار الألماني ويلي برانت والرئيس الأميركي وقتذاك ليندون جونسون (كان المتظاهرون يشتمونه دوما ما جعلني أحفظ اسمه جيدا) وبالطبع الشاه محمد رضا بهلوي في إيران وادوارد هيث في بريطانيا وليونيد بريجنيف في الاتحاد السوفييتي والإمبراطور هيلا سيلاسي في إثيوبيا.

وكان هذا الأخير مبعث تندر عندما كان احد معلمي الأوائل يقول ساخرا: «لم يحكم أثيوبيا سوى ثلاثة.. أبرهة الحبشي الذي أراد هدم الكعبة والنجاشي الذي اوى صحابة الرسول وهيلا سيلاسي». معذور معلمي هذا، ففي ذلك الوقت لم تكن موسوعة «ويكيبيديا» أو الانترنت عموما قد ظهرت.

لم أكن أعيش القلق الذي تخلقه السياسة إلا متأثرا بالكبار من حولي، والدي وإخواني الكبار والمعلمين في المدرسة والكبار من أهل الحي. وكنت احسب أن هذه الأسماء جزء من عالم لن يتغير. جزءا من عالم صغير كان يكبر فيه من كل شيء، المكان والزمان وما فيهما: بيوت وأزقة وحواري ومدارس ومستشفيات ومدينة صغيرة وعاصمة وقرى وأعلام وأسماء وأفكار وعادات وتقاليد.

بعد قليل رحل جمال عبد الناصر، وأحسست بالتغيير الذي طرأ على احمد بن فاضل العبيدلي، كانت تلاوة القرآن في المسجد على روح عبد الناصر هي آخر ما يمكن اعتباره عملا سياسيا قام به والدي، فالعالم أو الزمن توقف بالنسبة له بوفاة عبد الناصر.

بعد سنوات عندما كنا نتراقص طربا مع عبور الجيش المصري قناة السويس والهجوم السوري في الجولان في 6 أكتوبر 1973، لم يبدو مبتهجا بما فيه الكفاية لكن دمعة سقطت من عينه وهو يردد: «الله يرحمك يا جمال».

فيما بعد ستصبح هذه الأمثولة هي مفتاح التغيير الذي طرأ علي شخصيا وعلى جيلي على الأقل عندما أدركنا حقيقة مازالت شاخصة بقوة وتشكل محور جدل طويل لم ينته في بلداننا العربية، أمثولة: «التغيير».

كان والدي من بين ملايين آمنوا بجمال عبد الناصر، ورأوا فيه مخلصا وقادرا على الانجاز.

ليس الموت هو الحقيقة الوحيدة التي ستدعونا دوما للإيمان بان التغيير حتمي وان البشر بما فيهم القادة وكل شيء إلى زوال، بل ضرورة التغيير في ظل الحياة نفسها. إن عبارة الترحم التي أطلقها والدي في اللحظة التي عرف فيها بانجاز الجيش المصري والسوري تبدو مثل أمنية خفية: «أن يكون عبد الناصر هو صاحب هذا الانجاز».

هذه الأمنية قد تدل على قطيعة ما أو مشاعر ملتبسة تجاه أنور السادات، خلف عبد الناصر. فالسادات بنظر والدي و(ملايين آخرين) لم يكن بقامة عبد الناصر. لكن التاريخ جعلنا نجادل حتى اليوم أن السادات استطاع أن يحول رغبة الثأر لكرامة جريحة وطاقات وكفاءات مصرية إلى تخطيط بارع ومتفوق حقق نصر أكتوبر بجدارة استثنائية.

أتوقف هنا بالضبط بدلا من الخوض على الطريقة العربية في سجل السادات المثير للجدل، أتوقف لأطرح التساؤل: لماذا يستحوذ على العرب دوما ذلك الإحساس بان التغيير مقابل للشر وان التغيير أو البدائل مفردات مرادفة للضياع؟

لا يتعلق الأمر بالرغبة البشرية المقيمة في التمسك بالزعامة أو القيادة، بل أن الجمهور والناس هم الذين يفاجئوننا دوما برغبة باطنية متأصلة برفض التغيير والتطير منه وترسيخ الإحساس دوما بأن أي انتقال في السلطة أو تبدل في القيادة (عن طريق الانتخابات أو غيرها) لا يعني سوى أن نصبح على كف عفريت؟

لا يسري الأمر على الزعامات السياسية فحسب، بل من أعلى الهرم حتى أصغر شؤون الحياة اليومية، وإذا ما أضيف إلى هذا، ذلك الميل المتأصل للشخصنة واعتبارها أداة القياس وإصدار الأحكام، سنكون أمام خليط من ثقافة مازالت تغمض العين عن المؤسسة والتقاليد متمسكة بما يشبه الهوس المرضي بالأشخاص فقط.

ربما كان هذا احد مكونات وصفة عبادة الفرد في ثقافتنا العامة، فالحكم على الأشخاص (زعماء كانوا أم شخصيات عامة أو حتى طلاب وظائف) ليس له سوى مقياس واحد هو: «من هو؟» وليس «ماذا يستطيع أن يفعل؟».

كنت ومعي ملايين مثل المغفور له احمد بن فاضل العبيدلي، نضع أيدينا على قلوبنا عندما يتغير الزعماء أو الأشخاص بموت طبيعي أو مفتعل أو كارثة تغيبهم عن مسرح الأحداث بل وحتى انسحاب طوعي. لكن التاريخ اثبت أن ذلك قد لا يكون صحيحا بالمطلق.

كنت يافعا في المدرسة أيضا عندما استقال ويلي برانت عام 1974 من منصبه مستشارا لالمانيا اثر الكشف عن أن أحد مساعديه الشخصيين كان جاسوسا لصالح ألمانيا الشرقية. تنهر ألمانيا بعد رحيل برانت بل انطلقت أكثر مع هيلموت شميدت وتاليا مع هيلموت كول.

وتاليا، ستظهر جميع الأمثلة الأخرى الشيء نفسه، وستظل المدلولات هي نفسها تتوالى أمام ثقافتنا العامة وذهنيتنا التي تبدو عصية على التغير.

هل هي كذلك حقا؟ لا أظن، فالتغيير لا يترك لنا سوى خيارات محدودة: إما أن تستجيب له، وإما أن تعانده فتخسر، وإما أن تسايره جزئيا لكن ليس لزمن طويل.

كاتب وصحافي بحريني

mfadhel@batelco.com.bh