تعتبر زيارة الحبر الاعظم البابا بندكتس الى الاردن ، زيارة تاريخية بكل ما في الكلمة من معنى.. فهي اول دولة عربية يزورها منذ تنصيبه على كرسي البابوية قبل اربع سنوات ، ما يؤكد احترامه وتقديره وتثمينه ، للنهج الذي اختطه الاردن بقيادة سليل الدوحة الهاشمية الطاهرة ، جلالة الملك عبدالله الثاني ، القائم على الحوار والكلمة الطيبة والموعظة الحسنة «وجادلهم بالتي هي احسن» والوسطية والاعتدال.

ان هذا الحمى العربي ، هو ارض الحشد والرباط ، الذي يحتضن المغطس المقدس ، ويطل على درب الجلجلة ، وكنيسة القيامة ، ومهد المسيح ، ويرعى اقدس العلاقات واصفاها بين المسلمين والنصارى ، منذ فجر التاريخ ، والى اليوم ، مذكرا بسماحة الاسلام العظيم ، وحرصه التام على العلاقات الطيبة المتميزة مع الاشقاء ، «لتجدن اشد الناس عداوة ، للذين امنوا اليهود ، والذين اشركوا ، ولتجدن اقربهم مودة ، للذين امنوا ، الذين قالوا انا نصارى ، ذلك بان منهم قسيسين ورهبانا» ، ومذكرا ايضا بالعلاقات القائمة على الاحترام المتبادل ، والعطف ، والمساعدة ، والايثار.. وهذا ما حدا بنبينا الكريم صلوات الله عليه ان يوصي اصحابه ، عندما اشتد عليهم العذاب ، بالهجرة الى الحبشة لان فيها ملكا عادلا لا يظلم عنده احد ، فهي ارض مسيحية - ارض صدق.

ان قداسة البابا وهو يحل ضيفا على جلالة الملك وعلى الاردنيين جميعا ، فانما يحل على وطن التعايش ، عقيدة ، وفكرا ومسلكا ، وطن الاسرة الواحدة ، التي يقودها عميد آل البيت ، الذي قال فصدق ، وعاهد فاوفى ، فجعل من الاردن واحة امن وامان ، واستقرار ، وازدهار ، رغم ندرة موارده وشح امكاناته ، ففاءت اليه احرار العرب ، يستظلون شجرته الوارفة ، هربا من الهجير.

لقد اثبتت الاحداث والوقائع ومنذ نكبة فلسطين ، ان هذا الحمى العربي هو الاقرب الى فلسطين ، والى الشعب الفلسطيني ، كان وسيبقى ، وحتى يرث الله الارض وما عليها ، وهذا ما اثبتته الافعال ، لا الاقوال ، حيث حمل قائد الوطن الهم الفلسطيني الى كافة انحاء المعمورة ، وخاطب عواصم القرار واستطاع في زيارته الاخيرة الى واشنطن ، بعد ان حمل الموقف العربي من قضية الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ، ممثلا للامة كلها ، ان يحصل من الرئيس الامريكي «اوباما» على التزام بحل الدولتين ، ووضع حل للصراع ، وطي معاناة الاشقاء ، وتحرير المنطقة كلها من الارتهان للتطرف الصهيوني.

اننا ونحن نرحب بقداسته ، في وطن الاخاء والتعايش ، وطن المهاجرين والانصار ، الذي جبل على الوفاء ، نذكر قداسته وهو يزور مغطس السيد المسيح ، بان على مرمى بصره ارض فلسطين ، التي تعرضت للاغتصاب من قبل الصهاينة المجرمين ، ولا تزال ارض المقدسات الاسلامية والمسيحية ، ارض مولد السيد المسيح ومسرى محمد عليهما السلام وارض العهدة العمرية للبطريرك صفرونيوس ، «بان لا يسكن القدس يهود» ، ارض الرسالات السماوية ، ارض درب الجلجة والالام ، وكنيسة القيامة والمهد ، حيث تعلو صرخات المعذبين في الارض بفعل الاحتلال الصهيوني الغاشم ، تدعو المؤمنين في هذا العالم الى العمل ، لتحريرهم من ربقة الاحتلال ، ومن ظلم ابناء الافاعي الذين عاثوا في فلسطين خرابا ودمارا.

ان زيارة الحبر الاعظم للارض المقدسة وفي هذه المرحلة بالذات ، تكتسب اهمية كبرى علاوة على ما ذكرنا. في ظل التعنت الاسرائيلي ، ورفض سلطات الاحتلال الاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ، وبالذات حقه في تقرير المصير ، واقامة دولته المستقلة ، وعودة اللاجئين الى وطنهم وفقا للقرار 194 .

لقد عانى الشعب الفلسطيني اكثر من اي شعب في العالم ، وسيلمس قداسته خلال زيارته لمخيم عايدة للاجئين ، قرب بيت لحم ، حجم المأساة التي يعانونها ، والكارثة التي حلت بهم منذ «61» عاما عندما قامت العصابات الصهيونية بطردهم من مدنهم وقراهم.

مجمل القول: اننا ونحن نرحب بقداسة البابا وهو يزور الاردن.. اردن عميد آل هاشم ، سبط الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي بعثه الله رحمة للعالمين ، اردن الاعتدال والاخاء والوسطية والتعايش ، مذكرين قداسته بما جاء في كلمته ، التي القاها يوم السبت الماضي في روما «انه يأتي الى الديار المقدسة ، حاملا المحبة والتسامح والسلام» بان السلام لن يأتي حتى يرحل الاحتلال الصهيوني. وتتحرر القدس والمقدسات الاسلامية والمسيحية من رجس الفريسيين وابناء الافاعي اليهود وتعود عربية الى امتها كما كانت ، وهذه هي الرسالة الحقيقية للمؤمنين.