ما أصدره القضاء الدولي ممثلاً في قاضي المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الشهيد رفيق الحريري من إطلاق سراح الضباط اللبنانيين الأربعة قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية في عهد الرئيس السابق إميل لحود، اللواء جميل السيد مدير الأمن العام، واللواء علي الحاج، واللواء ريمون عازار، واللواء مصطفى حمدون.

حيث لم يثبت بحقهم بعد التحقيق أي شبهة ولم يوجه لهم أي اتهام، بعد احتجاز في الحبس الانفرادي ظلماً لما يقرب من أربع سنوات اعتماداً على شهادة مفبركة لشاهد زور ثبت للمحققين كذبه، هو في جانب من الصورة إحقاق للحق ومحاولة لإثبات نزاهة القضاء الدولي، لكنه في جانبها الآخر يمثل إدانة للتحقيق الدولي الذي جرى على مدى أربع سنوات تستوجب المساءلة أو المحاسبة.

بدءاً من المحقق الدولي ميليس الذي حبس الأبرياء بغير دليل قطعي وعجز عن توجيه اتهام قانوني لأي منهم، ومروراً بالمحقق الدولي «بيرامارتز»، الذي أعاد التحقيق السياسي إلى مسار أكثر مهنية وقانونية، ولم يجد شيئاً بحقهم، فاكتفى بإخلاء مسؤوليته، وحمل القضاء اللبناني مسؤولية الإفراج عنهم، وانتهاءً بالمحقق الدولي «بالمار»، الذي لم يجد في التحقيقات ما يبرر استمرار حبسهم ظلماً، فحاول مع القضاء اللبناني الإفراج عنهم، لكن القضاء حينها على ما يبدو كان بحاجة لقرار سياسي لا قضائي!

وهذه القضية كانت ولاتزال واحدة من أغرب القضايا في معالجتها وفي وقائعها والغريبة فيما أحاط بها من اتهامات ومحاكمات سياسية محمومة وحملات ومحاكمات إعلامية موتورة، نقل القضية من قضية جنائية مطلوب التحقيق فيها في كل الفرضيات للتوصل إلى المجرم الفعلي ومنعه من الإفلات من العقاب، إلى قضية لتصفية الحسابات السياسية، ولنصرة فريق سياسي على فريق آخر في الانتخابات اللبنانية، وحصر التحقيق الدولي في فرضية واحدة باتجاه النظام الأمني اللبناني السوري للتصويب في اتجاه الرئيس إميل لحود والرئيس السوري بشار الأسد، وهو ما ثبت حتى الآن كذبه بقرار قضائي لا سياسي من المحكمة الدولية!

وأخطر ما في الاتهام السياسي أو الإعلامي غير المستند على دليل قانوني أو تحقيق قضائي مهني «نظيف ونزيه»، هو أنه يتهم البريء ويحبسه ويشهر به، ويرتكب جريمة اغتيال سياسي أو أدبي جديدة ضد البريء، بينما يرتكب جريمة قانونية جديدة هي التغطية على المجرم الحقيقي، وتضليل التحقيق القضائي بما يتيح للمجرم ألا يفلت من العقاب فقط، بل أن يبقى طليقاً ليرتكب جرائمه الجديدة بعيداً عن مجرد الاشتباه تحت مظلة هذا التضليل القانوني وهذه الهستيريا السياسية وهذه الحمى الإعلامية!

وإن كانت هذه القضية هي واحدة من أغرب القضايا لأن الحبس فيها تم بلا اتهام قانوني بناءً على شهادة زور مفبركة واستمر الحبس فيها بعد ثبوت كذب شاهد الزور، فإنها ليست القضية الأولى ولن تكون الأخيرة التي يتهم فيها أبرياء في جو من الهستيريا السياسية والحمى الإعلامية، ويوجه لهم فيها اتهام قانوني استناداً إلى أدلة ضعيفة أو مشكوك فيها ومع ذلك يصدر الحكم بإدانتهم إخلالاً بحق الدفاع أو بسوء الاستدلال أو بضغوط سياسية على القضاء، بل ويقضون العقوبة لسنوات ثم بعد ذلك يظهر للمحكمة أنهم كانوا أبرياء!

وكلا الأمرين واحد من أقسي أنواع الظلم، والظلم في حد ذاته جرم عظيم بل هو الجرم الأعظم.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com