ومضات حضارية ونقد مبطن نجده في مؤَلف عربي عمره أكثر من مئة وخمسين عاماً، يصف لنا انطباعات إمام وواعظ أزهري مفعم بالحيوية ل«عرائس الأقطار» فرنسا ولعاصمتها «باريز» زينة المدن، ولرجل في ريعان الشباب لم تلهه أضواء تلك المدينة ولا حياتها الحافلة من الانكباب على العلم وإتقان الفرنسية في فترة وجيزة لدرجة مقدرته على وضع اثني عشر كتاباً رغم إقامته القصيرة في تلك المدينة العامرة والتي لم تكمل السنوات الأربع.
صاحب هذا المؤَلف هو عميد النهضة العربية الحديثة رفاعة رافع الطهطاوي الذي ولد في مصر في العام 1801 وتوفي بها وهو ابن السبعين ونيف، شاءت له الأقدار أن يصطحب أول بعثة علمية ترسلها مصر في بواكير نهضتها إلى فرنسا لتلقى العلم الحديث، تلك البعثة التي خرجت في شهر مارس من العام 1826 ولتعود إليها ثانية في مارس أيضاً من العام 1930، وقد حمل مبتعثوها علوم العصر ليباشروا في نهضة لو قدر لها الاستمرار لوضعت مصر في مصاف اليابان هذه الأيام.
تحمل تلك الذكريات التي دونها الطهطاوي بعد عودته بمدة طويلة نسبياً (1849) بين ثنياها نقداً مبطناً لأوضاع مصر التي كانت جزءاً من الممالك العثمانية كباقي الدول العربية، وانبهاراً بما وصلت إليه حضارة «الفرنجة» متمثلة بما رآه في فرنسا وهو يعبرها من مرسيليا جنوباً للوصول إلى عاصمتها «باريز» في الشمال، متمنياً أن تكون أحوال بلده مصر كحال تلك الديار التي أصبحت من أعظم الأمم «أدباً وعلماً»، دون أن يعني ذلك موافقته على كل ما رأى في تلك الديار من أنواع السلوك وغريب العادات.
وأول ما يسترعي انتباهه حينما وطئت قدماه أرض مرسيليا هي «الكرنتينة» أو الحجر الصحي، الذي مكث به خمسين يوماً، حيث كان الجدل ما زال قائماً في بلاد المسلمين في أمرها بين من يبيحها من الفقهاء ومن يحرمها، وفيها ـ يقول الطهطاوي ـ «عرفنا كيفية إحكام أبنية هذه البلاد وإتقانها وامتلائها بالرياض والحياض». وفيها أيضاً يكتشف طريقة تناول الأوروبيين لطعامهم باستخدام الشوكة والملعقة والسكين وبمد السفرة على طبلية «فلا يأكل الإنسان بيده أصلاً ولا بشوكة غيره أو سكينه أو يشرب من قدحه أبداً. ويزعمون ـ كما يعلق ـ أن هذا أنظف وأسلم عاقبة».
والقهاوي (يقصد المقاهي) عندهم ليست مجمعاً للحرافيش، بل هي مجمع لأرباب الحشمة «ويلفت نظره أن بها» أوراق الوقائع اليومية (صحف) لأجل المطالعة فيها «لأن العلم منتشر بينهم» حتى أن عامتهم أيضاً يعرفون القراءة والكتابة. و«ليست العوام بهذه البلاد من قبيل الأنعام كعوام أكثر البلاد المتبربرة». وعلى الجملة فـ «طباع الفرنساوية التطلع والتولع بسائر الأشياء الجديدة». لذلك، فهو يلحظ أن كل إنسان في فرنسا «له خزنة كتب، سواء الغني والفقير».
ويسترعي انتباهه كثرة أمطار باريس وهطول الثلوج عليها و«برد الزمهرير» الذي يصيبها «إلا أن الثلوج بها ومجرة البالوعات تقي من الوحل المضر»، وفي هذا المقام يتذكر أحوال بلاده بتحسر رغم جوها الصافي، ليقول: «فلو تعهدت مصر وتوفرت فيها أدوات العمران، لكانت سلطان المدن ورئيسة بلاد الدنيا».!!
وساحات باريس الفسيحة ونظافتها وترتيبها هي أيضاً محل نظره، حيث يسجل أن في «هذه المدينة عدة فسحات عظيمة تسمى المواضع، يعني الميادين، كفسحة الرميلة بالقاهرة في مجرد الاتساع لا في الوساخة».!! والنظافة ليست مقتصرة على الساحات العامة فحسب، بل إن «مما يمدح به الفرنساوية نظافة بيوتهم من سائر الأوساخ،...
كما أن أهل مصر في قديم الزمان كانوا أيضاً من أعظم أهل الدنيا نظافة».!! وهو يتحدث عن رغد العيش الذي ينعم به الفرنسيون وخاصة سكان عاصمتها، ف«أهل باريس أغنياء جداً، حتى إن المتوسط منهم أغنى من تاجر عظيم من تجار القاهرة».!!
ويقف الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز» مطولاً أمام «تدبير الدولة الفرنساوية» (أي نظام الحكم فيها) «ليكون تدبيرهم العجيب عبرة لمن اعتبر» ثم يذكر أحكام «الشرطة» (أي الدستور) ويفصل فيها وليشير بأنه «وإن كان غالب ما فيه ليس في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، لتعرف كيف قد حكمت عقولهم بأن العدل والإنصاف من أسباب تعمير الممالك وراحة العباد، وكيف انقادت الحكام والرعايا لذلك حتى عمرت بلادهم، وكثرت معارفهم وتراكم غناهم، وارتاحت قلوبهم، فلا تسمع فيهم من يشكو ظلماً أبداً، فالعدل أساس العمران».!!
وخلاصة القول ان «تخليص الإبريز» كتاب رائع في إسقاطاته ونقده غير المباشر للأوضاع التي كانت تحياها مصر، وهو ما ينطبق على أوضاع سائر أقطار الأمة العربية في فجر نهضتها الحديثة، في زمن لم يكن النقد به مباحاً، وكان عملاً أصيلاً دشنت به النهضة العربية انطلاقتها الفكرية.
كاتب كويتي
