منذ تشكيل حكومته يحاول نتانياهو، مع حليفه الصقر العنصري ليبرمان، الترويج لما لا يمكن تسويقه؛ من شروط وتعجيزات. ما طرحه حول سلامه المزعوم، ليس فيه غير ما ينحر السلام. كلما جاء بصيغة ووجد أن طريق القبول أمامها مسدود؛ قفز إلى أخرى من نفس البضاعة، لكن بطلاء مختلف.
كل الصيغ التي جاء بها، لم تكن أقل من أحزمة ناسفة لأية مسيرة يمكنها أن تؤدّي إلى قيام دولة فلسطينية. هذه معادلة لا يطيق حتى سماع سيرتها. آخر حلقة في سلسلة تحايله ودورانه، كانت العودة على فكرة «الحكم الذاتي». لم يستوقف نتانياهو أن هذه الصيغة تجاوزها الزمن؛ وأنها لم تكن مقبولة في حينه؛ فكيف اليوم؟ المهم عنده أن يبقى بعيداً عن «مبدأ الدولتين».
في خطابه الموجّه إلى مؤتمر اللوبي الإسرائيلي في واشنطن، يوم الثلاثاء، لم يأت على هذه السيرة؛ ولا حتى بالتلميح. كان واضحاً وصريحاً في عرض شروطه ومطالبه، وعلى رأسها ضرورة الاعتراف بإسرائيل «كدولة يهودية». الدولة الفلسطينية غير واردة في قاموسه. حتى ولو بشروط. يرى، في آخر تصريح له، أن هذا الحل «غير قابل للتطبيق في المستقبل المنظور».
وحسب الصحف الإسرائيلية، هو يزمع نقل قناعته هذه إلى الرئيس أوباما؛ خلال لقائهما القريب في البيت الأبيض. وعلى هذا الأساس ينوي طرح صيغة «الحكم الذاتي» كبديل وحتى إشعار آخر. ذريعته، بالأحرى حيلته المفضوحة، أن التسوية النهائية تقتضي العمل بالتدريج؛ من أجل بناء القاعدة والأسس اللازمة لها؛ «من أسفل إلى أعلى»؛ وبما يؤدّي بالنهاية إلى «إقامة كيان متطور يتمتع بالسيادة». خبث كريه. وكأن حقيقة نواياه غير معروفة. يتحدّث عن «بناء» وعن «كيان»، فلسطيني؛ من دون أن يقوى حتى على لفظ كلمة دولة.
الكرة، مرة أخرى، في ملعب البيت الأبيض. نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، وقف هذا الأسبوع في مؤتمر اللوبي مخاطباً إسرائيل؛ بأن عليها «القبول بحل الدولتين ووقف بناء المستوطنات مع هدم بؤر استيطانية». هل هذا الكلام نصيحة أم موقف؟ إذا كانت الإدارة تعني ما تقول، فالأسابيع القليلة القادمة، تحكم.
ما يتردّد عن عواصم أوروبية ومصادر الرباعية، أن مشاورات واتصالات جارية لبلورة «خطة سلام متكامل»؛ في فترة قريبة. إذا كان هذا التوجه جادّاً، وإذا كان له أن يثمر؛ فإن شرطه الجوهري أن ينتزع المبادرة من نتانياهو، وإخراسه من خلال طرح صيغة تقوم على «الدولتين»؛ مع إلزامه بذلك. كل ما عدا هذا يترك لدوّامة نتانياهو الاستمرار في لعبة الاستغباء.
