في مطلع آذار من العام 2005، وبعد اسبوعين على اغتيال الرئيس الحريري، واثر المطالبات باستقالة قادة الاجهزة الامنية ومدعي عام التمييز القاضي عدنان عضوم الذي احتفظ بمنصبه مع انه عُيِّن وزيراً للعدل، سألته الزميلة (الشرق الاوسط)، في الخامس من آذار عن تعليقه على المطالبة باستقالته فأجاب انه لا يحق له الاستقالة، إذ انه قاضٍ جرى تعيينه مدعياً عاما للتمييز بمرسوم صادر عن مجلس الوزراء، وعلى هذا المجلس ان يبحث في هذا الامر ويقرر ما إذا كان يريد استمراري في المنصب أو اعفائي منه، وعندها استجيب لقراره.
اربعة اعوام وشهران مرَّت على هذا التصريح، وهي ليست بالمدة الطويلة، ومعظم المتابعين للحقبة التي تلت عملية الاغتيال يحتفظون في ارشيفهم الخاص به، وحبذا لو ان المطالبين باستقالة مدّعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا عادوا الى ارشيفهم الخاص أو الى محفوظات الصحف حيث كانوا يعملون، وتذكروا ما قاله (صديقهم) القاضي عضوم، لكانوا وفروا على انفسهم وعلى الرأي العام هذه الجلبة التي احدثوها والتي لا طائل منها، فإذا كان ما قاله القاضي عضوم صحيحاً فلماذا لا يصح على القاضي ميرزا?
نتجاوز هذه المسألة بعدما قال مجلس القضاء الاعلى كلمته فنأى بنفسه عن السجالات السياسية وابدى (استعداده لتحمُّل المسؤولية في مواجهة أي خلل في الممارسات القضائية واعمال قواعد المحاسبة التي يمكن ان تطال أي قاض مُخل بمناسبة النظر في أي قضية من القضايا، ومتابعة الامور المطروحة حتى نهايتها بوجه أي قاض معني).
بهذا الكلام المختار بعناية فائقة، تجنَّب مجلس القضاء الاعلى ان يُستدرج الى سجال اراد البعض ان يوقعه فيه، فهو الذي يحاسب ولكن ليس تحت ضغط أيٍّ كان وهو مستعد لتحمُّل كل مسؤولية.
جولةٌ اولى كسبها القضاء في معركة الدفاع عن الجسم القضائي، لكن المتربصين به كُثر، وهم لن يستكينوا وسيواصلون حملتهم لأن المسألة ابعد من مقاضاة قاض بل ترتبط بضرب هيبة القضاء لمنعه من فتح الملفات الماضية وهي تصيب المتحاملين على القضاء.
غريبٌ امر المطالبين باستقالة بعض القضاة! لماذا هذه الاستفاقة اليوم?
ثم أين كان حرصهم على القضاء حين كانوا يطلبون منه ما لا قدرة له على تحمُّله?
ألم يطلبوا منه ان يتهم الدكتور توفيق الهندي بالتعامل مع الاسرائيليين?
ألم يطلبوا منه محاكمة اللواء نديم لطيف الذي بُرئ في وقت لاحق?
ألم يطلبوا منه اقفال محطة ام. تي. في?
حين ظهرت الحقائق وبُرئ المتهمون زوراً، لماذا لم تتم المطالبة باستقالة القضاة الذين اصدروا تلك الإحكام الجائرة?
(رُبَّ ضارة نافعة)، فلقد ساهمت الحملة على بعض القضاة اليوم في انعاش الذاكرة بالنسبة الى الوضع القضائي السابق الذي كان يُديره أحد قادة الجهاز الامني بامتياز.
