ليس لأحد الحق أو القدرة في منع دولةٍ فتح حوارٍ مع أخرى، لأن هذا شأن سيادي، لكن تبقى الأهداف التي تكمن خلف هذه الحوارات إذا كانت تمس سيادة أو أمن بلد آخر له الحق في التحفظ وإعلان المخاوف، وأمريكا عندما رأت من مصلحتها طرح العديد من الأفكار مع إيران فهي تتحرك من خلال أفق مصالحها كشأن أي دولة عظمى، لكن ما يكرس الشكوك والمخاوف أن الطرف الأكبر غالباً ما يطرح استراتيجياته من آفاق قد لا تراعي مبدأ الصداقات وهذا ما جعل الدول العربية تتذكر أمريكا عندما حاولت تنصيب شاه إيران حارساً متنفذاً على الخليج ووضع العرب بين الصديقين إسرائيل وإيران لإملاء كل الصفقات التي تريدها..
دبلوماسية الرئيس "أوباما" أكثر اتزاناً وأقل تهوراً من سابقتها، لكن من يضعنا في حالة صدق تتوفر له النوايا الحقيقية، لو كان الاتجاه يحاول إرغام العرب على قبول الاعتراف بدولة يهودية على فلسطين، وإلا المقابل إيران، وأيضاً الانفتاح على العراق بإرسال السفراء ووضع خطط لإعماره، رغم تحفظ العديد من الدول الخليجية التي ترى بدخول إيران في شؤونه مشكلة أمنية قبل أن تكون سياسية واقتصادية..
مثل هذه الشروط قد تبدو محتملة لمن يراقب تقلب السياسات وعدم ثباتها، وقد لا تقف الأمور على هذه الحدود لو وجدت إسرائيل أنها الكاسب الأول من أي تصرف كهذا، بل وقد تكون الجسر الواصل ما بين أمريكا وإيران تبعاً لما قيل أن مباحثات سرية جرت في أكثر من عاصمة أوروبية، وأن طبول الحرب ما هي إلا مقدمات لدبلوماسية أكثر دفئاً وتعاوناً، وأن تأخير السلام بجلب حكومة يمينية متطرفة، ليس إلا دفعاً لترتيب سياسات جديدة في كل المنطقة..
وزير الدفاع الأمريكي جاء ليطمئن الدول العربية بأنه لا إخلال بصداقات أمريكا معها، وليس هناك نوايا تغير من مسيرة علاقاتها، لكن ذلك مرتهن بما سيجري في الشهور القادمة، وفيما إذا كان مبدأ وجود دولتين متجاورتين إسرائيل ودولة فلسطينية مبدأ قائماً، وأن السلام من خلال المشروع العربي، هو الطريق الموصل للحلول لأزمة مستفحلة، لكن قد تكون مبررات تعطيل ذلك أنه لا توجد رؤية عربية توحد المواقف، فطرف مع إيران بتلازم تام، وآخر ليس معادياً لها، لكنه يعلن مخاوفه من خلال ما يجري من تصرفاتها في لبنان والعراق ومصر والمغرب وغيرها، وثالث كان أكثر وضوحاً بالدخول في جدل ساخن ارتفع إلى الاتهامات المتبادلة..
قطعاً ليس من المصلحة الركض خلف المحاور بحيث نسعى للبديل عن طريق الصين وروسيا وغيرهما في معادلة القوة في المنطقة، لأن مرحلة المنافسات الأيدلوجية انتهت وتبقى مثل هذه السياسات خارج المنطق، ومع أن العرب يملكون الإمكانات الهائلة في كل شيء إلا أنه لا تتوفر لهم الخطط المقنعة، ولا القوة الرادعة أمام تنامي قوتيْ إسرائيل وإيران، وبالتالي فكل من يسعى لتثبيت مصالحه يقرأ لوائح القوة والضعف في كل منطقة لرسم السياسات وفرض النفوذ من خلالها..
