هل نحن أمام لوبي عربي جديد يرسم سياسات المنطقة ويحدد خطوطها الراهنة والمستقبلية؟ وإذا كان ثمة لوبي في المنطقة فهل يرتبط بالنظم السياسية أم أنه يتجاوزها متوجهاً بآلياته الخاصة التي تستمد حركتها من الخارج؟ وهل يمكن تحديد أعضاء هذا اللوبي الجديد؟
يمكن القول بوجود لوبي عربي حقيقي يتكون من بعض المثقفين والصحافيين والإعلاميين ومسؤولين حاليين وسابقين. ورغم أن بعض أعضاء هذا اللوبي يُعلنون عن أنفسهم، فإن البعض الآخر غير معروف يتحرك في الخلف من الكواليس، وهو النوع الأخطر والأشد دهاءً. ويصعب تنميط هذا اللوبي أيديولوجياً، حيث يصعب ربطه بالليبرالية سواء القديمة أو الجديدة، كما يصعب نعته باليميني أو اليساري، أو ربطه بالأغلبية أو الأقلية، أو حتى ربطه بانتماء ديني معين.
لكنه في الحقيقة خليط من كل هذه الاتجاهات المتباينة المشارب والاتجاهات. كما أنه لا ينتمي لدولة واحدة بعينها في المنطقة. فلأول مرة تظهر تكتلات مجاوزة لمفهوم الدولة القومية كوحدة حقيقية وفاعلة في المنطقة، ليصبح هناك وجود لماهية جديدة عبر قومية، لكنها لا تصب نحو دعم التجارب الوحدوية بقدر ما تصب في إطار كيانات منفرطة وضعيفة ومتناقضة.
وحتى نعي تماماً ماهية اللوبي الجديد علينا أن نطالع أياً من المواقع الجديدة التي تستقطب هذه النوعية من الكتاب والمفكرين والإعلاميين والمسؤولين؛ فبنظرة واحدة نجد خليطاً غريباً من الشامي والمغربي، ألواناً متناقضة يتم تجميعها في كوكتيل لا لون له ولا طعم ولا رائحة، لكنه رغم ذلك قادر بدرجة أو بأخرى على توجيه وتحريك المشهد العربي، والتأثير على سياسات دول المنطقة.
هل تلعب السلطة السياسية في العالم العربي دوراً كبيراً في تجميع كل هذه الاتجاهات وتوجيهها أم أن هذا المزيج الغريب يعي تماماً ما يقوم به ولديه أجندة خفية يحلم بتحقيقها في المنطقة بغض النظر عن نتائجها وعن تأثيراتها المتوقعة. الواقع أن العالم العربي يواجه مثل هذه التشكيلات التي تسعى لتحقيق أجندتها الخاصة ربما بمعزل عن السلطة السياسية الحاكمة أو بتوافق معها. ورغم حالة التردي المرتبطة بالواقع العربي الراهن إلا أن الأسوأ لم يحدث بعد؛ فمشاريع التفتيت والتقسيم لم تكشف كل أجندتها حتى الآن.
وتسعى عناصر هذا اللوبي لتحقيق أهدافها مستفيدة في ذلك من الدعم الخارجي بالأساس، ومن تصاعد خطاب حقوق الإنسان والتحديات المرتبطة به. كما أنها تستفيد من تأثيراتها في السلطة السياسية من خلال نقل صور مغلوطة عن الواقع العربي من ناحية والتلويح بفزاعة النفوذ الغربي في المنطقة من ناحية أخرى. ويمكن الإشارة هنا للخطاب الديماجوجي لأبناء بعض الأقليات في الغرب، الذي يرفع دائماً سيف التهديدات الصفيقة، ملوحاً بالكونغرس الأميركي أو الاتحاد الأوروبي أو غيرها من المنظمات الحقوقية الدولية الأخرى.
واللافت للنظر أن هذا اللوبي العربي الجديد ليس له من موضوع سوى الإرهاب؛ فيوم طالبان ويوم حماس ويوم العراق ويوم حزب الله وهكذا. أما حينما يأتي الأمر لمواجهة الإجرام والعنصرية الإسرائيلية والهيمنة الأميركية فأذن من طين وأذن من عجين.
ويلاحظ أن الكثير من النظم العربية تحتفي بهذا اللوبي بدرجة كبيرة، وتسهل له كافة أشكال التمويل، وتفتح له كافة وسائل الإعلام المختلفة. فأعضاؤه يمثلون قاسماً مشتركاً في وسائل الإعلام وصفحات الانترنت، وبشكل خاص الممولة بإفراط.
واللافت للنظر أيضاً أن هذا اللوبي قد اكتسب تأثيراً كبيراً يخيف به الآخرين، وهو ما يجعله أقرب للوبي الأمني الاستخباراتي. فهو قادر على تحديد اتجاهات المراحل، وقادر على السماح بهذا ومنع ذاك، مثله في ذلك مثل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية، بل إنه قد أصبح قادراً على رسم سياسات المنطقة والترويج لها وفقاً لبرامج خارجية معلنة وخفية على السواء.
أخيراً يبقى السؤال الأهم: هل يمكن التعرف على عناصر هذا اللوبي الجديد وتحديد قائمة بأعضائه؟ الإجابة نعم، يمكننا أن نتعرف عليه وعلى أعضائه حينما تشتد الكتابة عن الإرهاب وطالبان ونقد الإسلام والمسلمين والسلام مع إسرائيل وتمجيد أميركا وأحبائها في المنطقة والدعوة للتغريب باسم الحداثة وإعلام العري والابتذال والوقوف على مثالبنا بتلذذ وإصرار. حينما تشتد وطأة الكتابة عن مثل هذه الموضوعات يمكننا أن نحدد الأسماء ونرصد قائمة اللوبي العربي الجديد.
من الضروري الانتباه لمخاطر هذا اللوبي الذي أصبح أكثر تجذراً في البيئة العربية المعاصرة، وأكثر تطاولاً، وأكثر قدرة على رسم وتحديد السياسات المؤثرة والمخيفة في الوقت نفسه.
كاتب مصري
