تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة، بشأن انتهاكات ارتكبتها إسرائيل في عدوانها على غزة؛ أصاب في تحديد المسؤولية، لكنه تراخى في تحديد التبعات. غاب التناسب بين ما توصّل إليه من تشخيص وبين تعيين المقتضى الواجب أن يترتب على ذلك. كما بقي دون وضع آلية لمتابعة الموضوع. وكأن كل المطلوب كان تسجيل موقف وتدوين وقائع. وهذا آخر ما لا تكترث له إسرائيل.

التقارير بل القرارات الدولية بحقها، مكدّسة على رفوف الأمم المتحدة، منذ سنوات؛ من غير تنفيذ. ناهيك بالثمن. التحدّي ألا تستمر هذه الحال وتمر مجزرتها الغزاوية من دون مساءلة كغيرها؛ بالرغم من المطالبات الكثيرة بمحاسبتها على هذه الجريمة، البشعة التي نالت أوسع إدانة دولية.

التقرير الذي نشرته أمس اللجنة الخاصة المكلفة من قبل الأمم المتحدة، يخلص إلى توجيه إصبع الاتهام صراحة إلى إسرائيل وتحميلها مسؤولية «ستة حوادث من أصل تسعة ـ شملها التحقيق ـ وقعت في مقار تابعة للأمم المتحدة، سقط خلالها ضحايا من المدنيين، فضلاً عن الأضرار؛ نتيجة لغارات استخدمت فيها ذخائر، من الجو أو البر»، من بينها الفوسفور الأبيض. من التوصيات، مطالبة إسرائيل «بالاعتراف» رسمياً بمزاعمها أن الفلسطينيين هم الذين أطلقوا النار على مدرسة تابعة للأمم المتحدة «غير صحيحة وأنها تأسف لذلك».

تبعاً لذلك، يدعو التقرير إلى اتخاذ اللازم لمتابعة طلب إصلاح الأضرار وتعويض الأمم المتحدة عن النفقات التي دفعتها. بطبيعة الحال، سارعت إسرائيل إلى رمي التقرير بتهمة «الانحياز» لحماس. علماً بأنه، وفق ما تردّد، جاء «بلهجة مخفّفة»؛ مقارنة بالصيغة الأصلية التي اعتمدتها اللجنة. كما ذكر أن الأمين العام، بان كي مون، بعث التقرير إلى مجلس الأمن مع رسالة، يبيّن فيها عدم اعتزامه القيام بالمزيد من التحقيق في الحرب على غزة؛ موضحاً ان التقرير «لا ينطوي على أي صيغة قانونية».

شعرة تفصل هذا الكلام عن الاعتذار. وكأن الأمم المتحدة، قامت بالتحقيق لرفع العتب. أو كأنها رفعت تقريرها، بعد تلطيفه حتى كادت أن تخنقه، بشيء من الخجل.

توجيه الانتقاد لإسرائيل على فعلها الشنيع، من قبل المنظمة الدولية، خطوة في محلها. تحميل قواتها مسؤولية الانتهاكات ومطالبتها بالتعويضات، أيضاً موقف مرغوب. لكن ذلك أقل المطلوب. تزامن هذا التقرير مع تنامي حركة مطاردة إسرائيل أمام القضاء الدولي، يكسبه المزيد من الأهمية. لكن هذه الأخيرة تفقد قيمتها إذا توقفت الأمور هنا وبقيت مجرد حبر تعيس على ورق معرّض للتلف. المتابعة، في هذا الخصوص، هي المحك.