«ان وحدات من قوات حرس الحدود الروسية اتخذت مواقعها في مهمة حماية حدود أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا»، هذا ما نقلته وسائل الإعلام عن الرئيس الإقليمي لجهاز الأمن الروسي الذي أضاف «ينبغي إغلاق الحدود المعنيّة بإحكام بحيث يغدو من المستحيل على العدو النفاذ منها».

هذه التصريحات تأتي قبل أيام فقط من مناورات الحلف الأطلسي المعلن عنها في جورجيا. للتذكير كانت أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا قد أعلنتا في شهر أغسطس الماضي انفصالهما الكامل عن جيورجيا لتصبحا جمهوريتين «مستقلتين». بالطبع بوحي من روسيا ودعمها وتوقيع معاهدة دفاع مشترك معها للسهر على حماية حدودهما. وأيضاً كان إعلان ذلك الاستقلال كرد متأخر من قبل الروس على دعم الغرب لاستقلال كوسوفو، رغم المعارضة الشديدة لموسكو.

وفيما هو أبعد من الاتهامات المتبادلة بين روسيا والأطلسيين حول أيهم خرق الاتفاق الموقّع بين الرئيس الروسي ميدفيديف والرئيس الفرنسي ساركوزي لوقف إطلاق النار في حرب الخريف الماضي في جيورجيا، وأيضاً فيما هو أبعد من التأكيدات الروسية أن نشر قوات حرس الحدود الروسية في أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا أتى متزامناً بـ «الصدفة» مع مناورات الحلف الأطلسي، فإن الأمر يتعلق بتوازن جديد ترتسم معالمه. توازن لا يريد الغرب الاعتراف فيه وتسعى روسيا إلى تأكيد دورها الفاعل كأحد أقطابه الرئيسيين.

إن فهم خلفية مواقف الأطراف المعنية في هذا التوازن يستدعي العودة إلى الوراء قليلاً. ففي عام 1991، وتحديداً في شهر يوليو من تلك السنة، طلب ميخائيل غورباتشوف من قادة الدول الصناعية السبع «آنذاك» تقديم مساعدات مالية له من أجل تجنب تفجّر الاتحاد السوفييتي وتحويله سلمياً لتبني اقتصاد السوق. بدت المبالغ المطلوبة كبيرة ولم يستجب الغربيون. لعلهم أضاعوا يومئذ فرصة ذهبية.

في ختام ذلك الاجتماع قال غورباتشوف للقادة الغربيين الكبار: «لن أكون بينكم في القمة المقبلة». وأضاف: «سوف تواجهون الفوضى» في روسيا. بعد ذلك بفترة وجيزة شاهد العالم كلّه على شاشة التلفزة بوريس يلتسين وهو يعتلي ظهر دبابة في شوارع موسكو ليوقع شهادة وفاة الاتحاد السوفييتي ويصبح «بطلاً» للديمقراطية.

ورغم افتقاره إلى أي مشروع حقيقي صفّق الغربيون له وساهموا ربما في أحد أكبر عمليات السطو«المنظّمة» في التاريخ عندما نهب المحيطون بيلتسين كل ما له قيمة في روسيا.

هكذا بين ليلة وضحاها تضاعف مرّات ومرّات عدد أصحاب المليارات الروس وتزايدت أعدادهم على شواطئ الريفييرا للاستجمام أو قضاء عطل الصيف. وبنفس الوتيرة تكوّن جيش من الفقراء والمتسولين واستشرت كل أشكال الفساد والإفساد. الغرب بارك ذلك عملياً والروس العاديون كرهوا بالمقابل هذا الغرب.

وفي مثل ذلك السياق وصل فلاديمير بوتين إلى السلطة وعرف كيف يوظّف المشاعر القومية عبر الحرب الشيشانية ويحظى بتأييد جماهيري حقيقي برفعه شعار «دكتاتورية القانون» الذي كان يلتسين، ومن لفّ لفه، قد أشبعوه خرقاً وانتهاكاً. واستفاد بوتين من الارتفاع الكبير في أسعار النفط والغاز لملء خزائن الدولة المفرغة بالعملات الصعبة.

روسيا ـ يلتسين كانت الشريك بالنسبة للغربيين، أمّا روسيا ـ بوتين فقد أصبحت الخصم، إن لم يكن العدو. لقد قبلوا الأولى «المهلهلة» في عداد مجموعة الدول السبع الكبرى. وعندما أمسكت الثانية بزمام اقتصادها وبنت دولة «ليست ديمقراطية بالتأكيد على الطريقة الغربية» وأعلنت في أكثر من موقف آراءً تخالف إرادة الغرب وواشنطن (حرب العراق واستقلال كوسوفو) عادت الخصم من جديد بعيون الغرب. لقد عادت «روسيا السوفييتية».

بنفس الوقت عاد للظهور الخطاب الغربي الذي كان متداولاً في الأمس القريب مع نعوت الإمبراطورية والدكتاتورية وفرض السيطرة بقوة السلاح، بل وذهب البعض إلى حد التذكير بصعود النازية في سنوات الثلاثينات المنصرمة وما رافق ذلك من التهديد بالحرب. وكانت ترجمة ذلك كله القول بضرورة «تقليم أظافر» روسيا وعدم تقديم أي تنازل حيالها وتضييق الخناق عليها عبر محاصرتها بالحلف الأطلسي وصولاً إلى تخوم بلادها. وجاء في نفس السياق مشروع بناء الدرع الصاروخية الأميركية في بولندا وشبكة رادار في تشيكيا.

وتمثّل أوج مسار التصعيد الغربي عامة، والأميركي خاصة، حيال روسيا في العملية العسكرية التي أرادت جورجيا من خلالها وضع يدها على أوسيتيا الجنوبية وإنهاء الوجود الروسي فيها. وكانت عملية من تصميم وتوجيه ودعم أميركي صريح. لكن الرد الروسي كان حاسماً وعنيفاً فاجأ الجميع، باستثناء الروس.

هؤلاء استفادوا من تلك «الفرصة» لإفهام الجميع أنهم موجودون وأقوياء ولن يسمحوا لأحد بتهديدهم في مجالهم الحيوي. وتصريحات المسؤول الأمني الروسي الأخيرة حيال المناورات الأطلسية المعلن عنها لا تقول في الواقع شيئاً آخر.

بالمقابل بدأ اعتراض الغرب على الرد العسكري الروسي العنيف ضعيفاً. فهذا الغرب هو الذي كان قد دكّ صربيا لأيام عديدة بالطيران تحت راية الحلف الأطلسي ودون موافقة الأمم المتحدة. ثمّ هل يمكن قبول مبدأ تقرير المصير هنا ورفضه هناك؟ وكيف كانت واشنطن ستتصرّف لو أن مناطق حدودية في المكسيك أو كندا دخلت في تحالفات مع روسيا، أي كما تفعل هي مع جورجيا وأوكرانيا؟ ولعلّ الأغلبية بيننا تذكر سابقة الصواريخ السوفييتية في كوبا عام 1962 عندما اضطر خروشوف آنذاك لقبول تفكيكها وإعادتها إلى روسيا أمام التهديد الأميركي بحرب نووية.

لقد ماتت الشيوعية ودفنوها. لكن الماضي لم يمضِ، كما يبدو. مع ذلك تبقى روسيا بحاجة إلى بيع نفطها وغازها لأوروبا التي تحتاج إلى شراء النفط والغاز الروسيين. ولعلّ المصلحة الاقتصادية المتبادلة، بالإضافة إلى وزن الثقافة والواقع الجيوسياسي، تدفع باتجاه ضرورة إقامة توازن مستقر بين الغرب عامة وروسيا في منظور تعزيز الاستقرار في العالم. وهذا ملف استراتيجي آخر قد يكون للرئيس باراك أوباما ما يقوله فيه.

كاتب سوري ـ باريس

mohaklouf@yahoo.fr