يقال، والعهدة على الراوي، إذا خرجت أمة من معممة أسفل السلم إلى أعلاه، تجتمع مجموعة حرس المحافظة على المصالح العليا للأمم المتقدمة، أو تلك التي تحاول أن تحافظ على مصالح الفئات المتنفذة في العالم، لتضع العراقيل أمام كل من يحاول الخروج عن المخطط العالمي لموازين القوى، حتى لو كانت تلك المنطقة جزءاً بسيطاً في العالم، بحجم حبة الأرز، لأن ذلك يهدد مصالحها، وربما يعطي للآخرين نموذجاً، للتنمية خارج إطار المنظومة العالمية. وإن كان ذلك من العالم الثالث، أو من ضمن الإطار العربي، أو الإسلامي، فهذا يعني أن المارد النائم، قد استيقظ من سباته، أو أنه قد بدأ يفكر بشكل خارج الإطار التاريخي.
لذا وجبت محاربته بكل الوسائل عبر خلق آليات جديدة، وعلى سبيل المثال طرح أدوات القرن الحادي والعشرين، مثل تركيز الإعلام على حقوق الإنسان، أو ترسيخ مبدأ أن تلك الدولة تؤيد الإرهاب وغير ذلك من الوسائل التي تبتعد جميعاً عن قيم المنافسة التي يريد هؤلاء ترسيخها.
والاعتراض على هذه الدولة أو تلك بخروجها عن قواعد المنافسة واتهامها باتخاذ إجراءات حمائية، ومع ذلك فهم أول من يقف في وجه حرية المنافسة عندما تقترب من مصالحهم، وقد يكون ذلك بالنسبة لشعوب أخرى عبر تداخل عوامل الخلط بين المقاومة الوطنية ضد الاحتلال أو مقاومة الاحتلال.
وخير مثال على ذلك الوضع في فلسطين، حينما يؤكد الإعلام الغربي وأغلبه خاضع للإعلام الصهيوني ومؤسساته التي تتحكم في شرايين الصحف والإذاعات والتلفزيونات، والذي يرى في مقاومة الاحتلال، والفاشية الصهيونية وهمجيتها ضد الأبرياء في فلسطين إرهاباً، ومن يقومون به إرهابيون لأنهم يقاومون الاحتلال النازي الصهيوني الذي هو في عرفهم دولة ديمقراطية ومسالمة وتتقيد بأعلى المعايير الإنسانية.
ومن العجب العجاب أن قنوات عربية تفتح شاشاتها ليطل منها وجه إسرائيلي قبيح، عسكري أحياناً، ومدني أخرى، وأكاديمي ثالثة، بل ومن أنصار السلام أخيراً وليس آخراً، ليتشدق بمناقبية جيش الدفاع الإسرائيلي الذي يبذل كل الجهد للحفاظ على حياة المدنيين، وهو عندما يقتل الأطفال الفلسطينيين ويحطم عظامهم بكل أشكال العنف الفاشي والنازي، إنما يدافع عن نفسه!
أليس هذا جزء من الإعلام المضلل للرأي العام العالمي، ولعل التاريخ لن يسامح الدول المتحررة، أو تلك التي تدعي أنها مع حقوق الإنسان في أكثر من مناسبة، لإغماض عينيها عن هذه العنصرية البغيضة، وإلا فما هي مبررات الإعلام الحر في عدم الكشف عن الممارسات اللا إنسانية سواء في فلسطين أو سابقاً في جنوب إفريقيا، وحتى في العراق، الذي كان يطمح في نيل حرية الإنسان بعد مرحلة صدام حسين.
لقد كانت مجازر الاحتلال، سواء الصهيوني، أو الأميركي أو الروسي خلال حقبات مختلفة في نهاية القرن دليلاً على سوء استغلال السلطة، وتقليداً لديكتاتورية بينوشيه تشيلي في العقد السابع من القرن العشرين الذي قتل سلفادور الليندي والمئات من التشيليين بكل دم بارد.
لقد ظل الإنسان في العالم المتطلع للحرية والمساواة والعدالة يدفع الثمن دائماً، حتى حينما اعتقد العالم، أن علم الحرية قد رفع عالياً، في ظل القيادة الواحدة والمنفردة في العالم بعد سقوط جدار برلين، إلا أن الجشع الرأسمالي لم يسمح لإنسان الحرية والتقدم والمساواة أن ينظر من النافذة، نافذة الحرية والتقدم، فعمل على محاربة حتى أولئك الذين ينطلقون من نافذة الرأسمالية، ولكن برؤية إنسانية. حيث إن ذلك يشكل تحدياً للعالم الحر.
أي عالم حر ذلك الذي يقمع حرية الرأي والكلمة، ويمنع بالقوة كل من يجرؤ على الكلام وهو عنوان كتاب كاتبه أميركي، «بول فندلي» وهو ذو ضمير حر يعلن أن لا أحد يجرؤ على الكلام، والذي كان بمثابة الجرس لأولئك الذين يحاولون إسكات الكلمة الحرة من خلال أدوات القمع منذ القرون الوسطى.
في هذه اللحظة، ربما أبرز أنا، ومن دون الاستعانة بذلك الصديق اللدود، لكي أقول الحقيقة المرة، إن أدوات الإسكات وربما القمع تنبع من الذات، من الخوف من قول الحقيقة، ونتيجة لحسابات ذاتية، وربما لحسابات ذات مدلولات عديدة، ربما لحساب الفئة، أو الطائفة، أو الطبقة، أو.... أو غيرها من الحسابات، إلا أنها في نهاية المطاف تخرج عن نطاق الالتزام الأخلاقي، بل تذهب في خانة الخيانة، وهنا يبرز ذلك المزعج من جديد وبصورة مزعجة، أية خيانة تتحدث عنها؟
وأرفع صوتي عالياً، وبصوت جهوري، دون مواربة أو تردد: إن الدفاع عن الوطن هو الأهم وبكل المعايير، لقد بلغ السيل الزبى ضد أولئك الذين يخلطون الألوان بين الأبيض والأسود، بين الحقيقة والخيال.
لقد حاولت المجتمعات العربية والإسلامية، أن تعطي نموذجاً للعيش بسلام بين كل القوميات والأمم والأديان، بين الشرق والغرب، بين كل تلك المجتمعات، بين الظلم الشرقي والطموح الغربي، إلا أن الغرب يريد لوناً واحداً للعالم، دون تمييز بين السلام والحرب.
من المؤكد أن العالم المعولم يريد أن يهيمن على العالم، والمطلوب من الحضارات السابقة أن ترفع راية الاستسلام والخضوع للعالم الجديد.
ذلك العالم لم يدرك أن الموارد البشرية والتاريخ القديم يقع تحته مارد، يمكن أن يخلق حالة من التمرد، بل والثورة التي لم يكن أحد يحسب لها حساب، مارد قادم من أعماق التاريخ، وحين ذاك لن تنفع حسابات الأجهزة الحديثة، لأن الخارج من عمق التاريخ لن يسمح بمسح تجربة قادمة من أعماق تاريخ العرب، من مدينة تبحث عن موطئ قدم بين الأمم هي مدينة العالم الجديد.
ومن هنا ازدادت المقالات الصحافية وغيرها في محاربة هذا النموذج الجديد، والذي يعتمد على الكوادر البشرية وليس النفط، إلا أن هنالك أقلاماً موضوعية تدافع عن النهضة الجديدة في جزيرة العرب، ومن المؤكد أن تلك التجربة الرائدة لن تخذل تلك الأقلام الحرة وستظل منارة ترسل شعاعها الشرقي المطعم بروح العصر، بعلومه ومنجزاته العلمية التي تسخر لخدمة الإنسان، ولن تكون سوطاً تكوى به ظهور الإنسان كما تفعل النازيات المتعاقبة.
رئيس وحدة الدراسات - البيان