تشهد الأجواء المحيطة بمناورات الناتو وجورجيا والتي تشارك فيها قوات من 19 دولة سلسلة ردود فعل متباينة، تعكس ازدياد حالة التوتر في العلاقات بين روسيا والناتو.
وقد اعتبر المحللون الغربيون أن توقيع روسيا لمعاهدات لحماية حدود أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، تتضمن قيام القوات الروسية بالتعاون مع القوات الأبخازية بحماية حدود البلدين، وتشكيل هيئات مشتركة للإشراف على نشاط وعمل هذه القوات خطوة سلبية تأتي في سياق الرد على مناورات الناتو- جورجيا التي ستستمر حتى بداية الشهر القادم.
بل أن قيادة حلف شمال الأطلسي اعتبرت هذه المعاهدات انتهاكاً لاتفاقيات 12 أغسطس 2008 السداسية التي وقعتها روسيا مع الاتحاد الأوروبي، وحذر الناتو من أن هذه المعاهدات يمكن أن تهدد الأمن والسلام في إقليم القوقاز.
ولاشك أن قرار الناتو بطرد الدبلوماسيين الروسيين «كوتشوكوف» و«تشيجوف» اللذين ضمتهما البعثة الروسية لدى الناتو، بتهمة التجسس، الذي يترافق مع هذه التطورات يكشف عن وجود توجهات لدى بعض أطراف حلف شمال الأطلسي تسعى لتدمير صلات التعاون بين روسيا والناتو، كلما اقتربت من مرحلة التفاهم والتقارب.
وإذا أردنا أن نتعامل مع التواجد الروسي في القوقاز والذي كان وفق قرارات دولية كقوات حفظ سلام، فنجد أنه لم يطرأ أي تغيير جوهري على هذا الدور، وهو ما أكدته تصريحات نيكولاي ليسينسكي قائد قوات حراسة الحدود في الجنوب الروسي، حول ضرورة انتشار الجنود الروس على طول حدود أوسيتيا الجنوبية مع جورجيا للحفاظ على حالة الاستقرار.
ويبدو أن الناتو لا يدرك أن مناوراته مع جورجيا تشكل دعماً مباشراً لسياسات نظام سكاشفيلى ومساندة لنزعاته العدوانية ومغامراته الطائشة المضرة للجميع بما فيها الشعب الجورجي نفسه، وأنها خطوة أساسية في إعادة بناء القوات الجورجية، في ظل تهديدات الرئيس الجورجي بعزمه على شن حرب ثانية ضد سكان أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا وضد روسيا.
لم يعد مفهوماً منطق الناتو في حماية الأمن والاستقرار في القوقاز.. وكيف يمكن تحقيق ذلك عبر دعم وتسليح القوات الجورجية التي تستعد لشن حملات ضد روسيا، ويصعب اعتبار توجهات الناتو إيجابية بالنسبة لروسيا، على العكس تماماً، إذ أنها تدعم مصدر الخطر الذي يهدد الأمن القومي الروسي.
فإذا كانت واشنطن تنصب درعاً صاروخية على بعد آلاف الأميال عنها لحماية أمنها القومي من خطر متوقع يبعد عن حدودها آلاف الأميال، وتجد هذه الخطة دعماً أوروبياً، فكيف يمكن سلب روسيا حقها في حماية حدودها من نظام عدواني شن بالفعل حرباً ضدها ويقع على حدودها؟
مرة أخرى نكتشف منطق المعايير المزدوجة في سياسات الغرب تجاه روسيا، ما يطرح تساؤلات جادة حول إمكانية تعاون فعال في ظل السعي الحثيث من الغرب لسلب روسيا كافة حقوقها في حماية أمنها ومصالحها، بل وحتى تعريضها لمخاطر مغامرات نظام ساكاشفيلى العسكرية بالاعتماد على التسليح والتدريب الغربي.
ويتجاهل حلف شمال الأطلسي مخاطر زيادة حدة التوتر في إقليم القوقاز من خلال إصراره على إجراء مناوراته، والتي لا يستبعد أن يستغلها نظام ساكاشفيلى لشن حملة عسكرية جديدة.
وهو ما يمكن قراءته بين السطور في تصريحات المسؤولين الجورجيين، حيث أعلن نائب رئيس الوزراء الجورجي غيورغي باراميدزه أن ما تفعله روسيا يُقلق المجتمع الدولي بأسره، فيما أعلن مسؤولون عسكريون جورجيون أن الهدف من دخول قوات حرس الحدود الروسية إلى أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية إفهام الغرب أن روسيا سترد بالضرورة على أي نشاط للناتو في القوقاز.
لقد بات واضحاً أن نظام ساكاشفيلى يقود جورجيا نحو الهاوية، وقد عبرت مختلف الفصائل السياسية الجورجية بما فيها حليفته السابقة نينا بورجانادزه رئيسة البرلمان السابقة عن هذا الموقف وطالبته بالاستقالة، وأصبح جلياً أنه يسعى لتفجير حرب جديدة في إقليم القوقاز لحساب إنقاذ مصالحه الشخصية، ومن المؤسف أن ينجر الناتو إلى ألاعيب سياسي من الدرجة الثالثة لا يدمر بلاده فقط، وإنما يهدد بتفجير إقليم القوقاز كله.
كاتب أوكراني