تأمل المشهد التالي: رجل يشد وثاقه تماماً على لوح خشبي داخل أحد المعتقلات السرية لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية. فريق من المحققين التابعين للوكالة يقومون عدة مرات بصب ماء مثلج من خلال قطعة قماش ربطت على أنفه وفمه لمنعه من التنفس إلى أن يصير على حافة لفظ نَفَسه الأخير.

الرجل هو خالد شيخ محمد.. ذلك الباكستاني الذي تشتبه الوكالة في أنه الرأس المدبر لتفجيرات 11 سبتمبر في الولايات المتحدة.. وعملية كتم الأنفاس هي واحدة فقط من عدة وسائل للتعذيب خلال جلسات استجواب وفقاً للوثائق السرية الأميركية التي أفرج عنها مؤخراً.

تقول إحدى الوثائق إن المشتبه به أخضع لعملية إزهاق الأنفاس هذه ليس مرة واحدة أو مرتين. فقد صار خالد على شفا الموت على مدى 183 مرة.

منذ أن أزيلت السرية عن الوثائق تتعاظم ضجة كبرى في الدوائر السياسية الأميركية.. بل وعلى مستوى الرأي العام حول محاكمة أو عدم محاكمة أركان إدارة الرئيس السابق جورج بوش بمن في ذلك نائب الرئيس ديك شيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، حيث إن فرق التعذيب كانت تمارس فنونها بموجب أوامر قانونية صدرت عن الرئيس السابق وطاقم الإدارة. محور الضجة هو قرار الرئيس الجديد باراك أوباما بعدم مقاضاة سلفه وأركان إدارته.

وهكذا يثبت أوباما من حين لآخر أن وعوده الانتخابية بتوخي المحاسبة الناجزة إذا فاز بالمنصب الرئاسي لم تكن سوى محسنات بلاغية لا أكثر. كان أوباما يدأب على إطلاق «كلام كبير» عن القيم الأميركية وضرورة التمسك بها والمحافظة عليها. ونستذكر بهذه المناسبة خطابه التدشيني في العشرين من يناير عن «المساءلة والشفافية»، حيث قال: «في دفاعنا عن أمننا نرفض الخيار الزائف بين الأمان وقيمنا المثالية.. فلا ينبغي التضحية بالقيم باسم تحقيق الأمان».

لقد مضى الآن على أحداث سبتمبر 2001 ما يقارب سبعة أعوام ونصف العام والمشتبه بهم الرئيسيون مازالوا وراء القضبان دون أي مبرر قانوني. فلو حصل زبانية التعذيب الأميركيين طوال هذه الفترة الطويلة على أي دليل لما ترددوا لحظة في تقديمهم إلى محاكمة.

الآن يقول الرئيس أوباما إنه أمر بوقف ممارسات التعذيب. ولكن ما الذي يدعو ضباط وكالة الاستخبارات المضي في ممارسة فنونهم بعد أن اطمأنوا أن يد القانون لن تطالهم بعد أن منع الرئيس إخضاعهم مع رؤسائهم الكبار لأي نوع من المساءلة؟ هذه هي أسطورة «القيم الأميركية».

opinion@albayan.ae