لا توجد أدبيات معلنة ومكتوبة تعبر عن حركة «حق» الاحتجاجية البحرينية، وما يعرفه المتتبع عن هذه الحركة لا تخرج عن اثنين: إما كتابات قد كتبت بأقلام أشخاص متعاطفين معها كجماعة مذهبية أو مع أسلوبها ونمط عملها في الحقل السياسي. وهي كتابات لا يمكن الحديث عنها إلا بكونها كتابات انحيازية. وهي كتابات إما نجدها في بعض المدونات الممنوعة ولربما غير الممنوعة، أو في بعض الصحف المحلية وإن جاءت محدودة من حيث الكم وعمق المعالجة.
وهي كتابات، إما معللة أو مبررة في بعضها لأسلوب عمل الحركة أو ناقدة لها بعض الشيء. أما الكتابات الأخرى، ونقصد هنا الناقدة لحركة حق، فهي الأخرى كتابات تتصف بالانطباعية ولربما بانحيازية عصبوية فاقعة.
وهي في بعضها الآخر إما أن تكون مسكونة بعصبوياتنا التقليدية المعروفة أو إنها مسكونة بهواجس وتوجسات شخصية متضخمة في أسلوب معالجتها للمشكل السياسي المحلي في حالته الاستقطابية المُتَمذهبة. وهي ترى المشكل في انحيازاته المُتَمذهبة لا في أطر وفضاءات أكسبت الحالة لونا سياسيا معينا ورداء عصبويا.
وهي كتابات بفعل حالة المسكون النفسي الذي تٌمثله، فإنها بفعل ذلك تقفز لنتيجتها السياسية المعممة وهي أن هذه الحركة أقرب على تمثيل «الطائفة» في عمومها منها إلى تمثيل فصيل سياسي صغير بعينه وإن كان مؤثرا من الإسلام السياسي الشيعي. وهي بفعل ذلك تصدر أحكاما قيمية عامة لا تخلو من مرام سياسية معروفة.
وبشكل عام فإن حركة حق البحرينية هي حركة غير رسمية من حيث الاعتراف الرسمي بها. أي انها لا تعمل ضمن أطر العمل السياسي المتاح للجمعيات السياسية العاملة في البلاد. أي أن عملها في هذا عمل غير رسمي، أي غير مرخص وفق قانون الجمعيات السياسية العاملة في الفضاء السياسي القائم، وتُماثل حركة حق نفسُها بحركة كفاية المصرية، «الحركة المصرية من أجل التغيير» التي تم تأسيسها في يوليو من عام 2004، والتي رغم حضورها السياسي والإعلامي الكبير إلا أنها لا تعمل ضمن الأطر القانونية المنظمة لعمل الجماعات والأحزاب السياسية أو منظمات المجتمع المدني.
وعدم خضوعها لهذه الأطر لم يمنع من أن تكون الحركة علنية العمل، أي أنها حركة غير سرية من حيث عملها السياسي. وهي حركة معلنة الأهداف أي أن أي واحد منا يستطيع التعرف على أهدافها من خلال الدخول إلى موقعها على الشبكة العنكبوتية، أو من خلال أدبياتها المكتوبة والمنشورة، وأن قياداتها مُعلنة ومعروفة في ذلك بحضورها السياسي والفكري والثقافي السابق لنشأة الحركة واللاحق بذلك لهذه النشأة.
كما أنها، أي حركة كفاية، تُمثل في أطروحاتها وتطلعاتها وأهدافها مجموعة من المرامي السياسية التي تشترك فيها كل الطوائف والجماعات وجل الطبقات والتنظيمات السياسية ومنظمات المجتمع المدني. أي أنها كحركة غير مذهبية ومخترقة لكل الطبقات والتوجهات السياسية والانتلجنسيات، وهي لا تطرح فكرة الإطاحة بالدولة أو تغييرها، وإنما تطرح فكرة تحديث الدولة وإحداث تغيير عبر آليات العمل السياسي السلمي.
وهي في واقع أمرها حركة نخبوية تضم مفكرين معروفين بأطروحاتهم السياسية اللادينية واللاطائفية كالراحل د. عبد الوهاب المسيري والقبطيين أمين اسكندر وجورج إسحاق وأحمد بهاء الدين شعبان وعبد الحليم قنديل وغيرهم. وقد وقع على بيان الحركة التأسيسي ما يقارب من 17 ألف شخصية ثقافية وفكرية وسياسية مصرية.
كما خلقت فور نشأتها حالة سياسية جديدة أثرت على القطاعات المصرية الأخرى، فبرزت حركات قطاعية أخرى حملت دعوة التغيير مثل «شباب من أجل التغيير وعمال من أجل التغيير، وصحافيون من أجل التغيير، وعمال من أجل التغيير وغيرها»، وهي في هذا تضم مصريين من كل الطوائف والجماعات: أي أنها تضم مصريين مسيحيين ومسلمين وسياسيين سابقين وممثلين لقوى المجتمع المدني وأساتذة جامعات ومحامين وأطباء وصحافيين وكتابا وغيرهم.
وقد هيأ هذا التنوع السياسي والفكري والديني في صفوفها من أن تكون الحركة قادرة على استقطاب، وخصوصا في بداياتها الأولى، قطاعات واسعة من المجتمع المصري وأن تأسر بأطروحاتها وجرأة هذه الأطروحات قطاعات كبيرة من المجتمع المصري، بل أن تتجاوز في ذلك عقم الطرح في العمل السياسي القائم في أوساط الجماعات والأحزاب السياسية المصرية.
وقد حددت الحركة نمط عملها السياسي في الأطر السلمية القائم على الاعتصامات والتظاهرات الصامتة، وأن تكون لغتها رغم جرأة الطرح السياسي لغة سياسية غير استعدائية. وترى الحركة دورها منحصرا في «هز» الركود السياسي القائم والدعوة للمحافظة على الحقوق المدنية المتآكلة وإيصال صوت الأغلبية الصامتة والتي رأت الحركة أنها رافضة للأوضاع التي آلت إليها الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في المجتمع المصري.
ومع ذلك فإن الحركة وبفعل عامل التعب السياسي ودخولها أو استدراجها لمواجهات مع النظام المصري قد فقدت جزءا من بريقها الذي كانت عليه في سنوات نشأتها الأولى، وانحصرت نشاطاتها على قلة من المثقفين والمهنيين المصريين.
وبالمقابل استطاعت القوى المعارضة وتحديدا حركة الأخوان المسلمين من أن تعيد تأسيس حضورها في الشارع المصري وأن تستقطب بفعل ثقلها وتمفصلها في المجتمع المصري جزءا كبيرا من التأثير داخل المجتمع. هو تأثير قد جاء إليها بحكم حضورها السياسي الواسع من ناحية وبفعل الضعف الذي انتاب الحركة في السنتين الأخيرتين، فأين من كل هذا تقع حركة «حق» البحرينية وهو ما سنحاول طرحه لموضوعنا في مقال قادم.
كاتب بحريني
