ظهر في الآونة الأخيرة مصطلح التأزيم في وسائل الإعلام المحلية في الكويت للتعبير عن افتعال «أزمة في نظام الحكم». والحقيقة هي أن الأزمة ليست في نظام الحكم فقط، وإنما هي أزمة مجتمعية متكررة، تظهر في النظام الاجتماعي باستمرار.

وهي أحدى الطرق التي يحدث فيها التغير الاجتماعي ـ الثقافي في دورة تاريخية، وتشمل المجتمعات العربية أو أغلبها. وقد تنبه بعض علماء الاجتماع والسياسة لها، فأطلقوا عليها مصطلح «التحول الثقافي» عند رولاند انغلهارت. ويتبع التحول الثقافي عادة تغيرا في المناخ السياسي العام وفي عقلية النخبة المهيمنة، وأحد مؤشراته ما يطلق عليه الآن «التأزيم».

دعونا نبدأ من البداية. (أ) فقد تعرض المجتمع الكويتي مثلما تعرضت المجتمعات العربية إلى مرحلة انتقال ديموغرافي ـ سكاني واسع. منذ الستينات من القرن الماضي، بحيث أن أكثر من نصف السكان الآن تقل أعمارهم عن خمسة وعشرين عاما. (ب) ولم تكن هذه المرحلة ممكنة بدون ارتفاع مستوى المعيشة. (ج) وقدرة الحكومات على توفير الخدمات الأساسية العامة.

(د) ورافق هذا التطور ارتفاع مستوى التعليم وانتشاره بين فئات السكان. (ه) ومع أن تجربة الحروب الإقليمية والانقلابات العسكرية قد استولت على اهتمام الناس، فإن ظاهرة ارتفاع مستوى المعيشة لم تتأثر كثيرا بذلك. (و) وبدءا من التسعينات من القرن الماضي ازداد اختراق وسائل التواصل الجمعي (الميديا) مؤسسات المجتمع المدني. (ز) بالإضافة إلى الزيادة الملحوظة في معدلات الحراك الاجتماعي الجمعي في الاتجاهين: الصاعد والهابط. (ح) والهجرة الداخلية بين البلدان العربية والهجرة الخارجية.

كل هذه التطورات معروفة لدى أغلب المتابعين، وهي تطورات على مستوى النظام الاجتماعي. ولابد لهذه التطورات من نتائج عميقة وشاملة على مستوى النظام أيضا.

وكان لابد أن نتوقعها لو أننا تابعنا تداعيات الأحداث. (1) ومن أول ما يلفت الانتباه هو أن المطالب التي تتبناها القوى الاجتماعية لم تعد تتصل بتوفير الخدمات العامة وإنما بمستوى ونوعية الخدمات العامة التي تتعلق بنمط الحياة الكريمة التي تتناسب مع الحراك الاجتماعي الصاعد للفئات الطبقية المتعلمة تعليما حديثا.

(2) كما أن معدلات الصراع الطبقي اتخذت شكل صراع بين التضامنيات القبلية والطائفية، بسبب ضعف المؤسسات الاجتماعية الحديثة. (3) واضمحلال شرعية الدولة القطرية مما يتيح للتضامنيات القبلية ـ الطائفية اختراق التنظيمات السياسية وتجاوز الحدود الإقليمية. (4) وتحت تأثير قوى العولمة أصبحت المشاركة السياسية تتحدى النخبة الحاكمة بشكل متزايد. (5) وتتمحور حول الجماعات التي تتبنى مطالب سياسية واقتصادية وبيئية (الحركات الاجتماعية الجديدة). (6) وتنادي بمكافحة الفساد المالي والإداري الذي يعمق الفوارق الطبقية.

إذا ما أمعنا التفكير في هذه التطورات ونتائجها على مستوى النظام الاجتماعي سيتبين لنا ما أطلق عليه بعض الباحثين (انغلهارت مثلا) بأن ثورة صامتة في القيم وفي المهارات تحدث أمام أعيننا: في القيم على مستوى الأفراد تتمثل في السعي إلى تحسين المكانة الاجتماعية التي تتناسب مع ما أحدثته التطورات سابقة الذكر من تغيير في النظام الاجتماعي.

وفي المهارات التي أصبحت بموجبها فئات واسعة من الأفراد قادرة على المساهمة في السياسة، وبالتالي أصبحت أكثر وعيا سياسيا وفهما للمطالب الاقتصادية والثقافية عامة. وهذا الوعي يترجم عادة إلى التحولات التي تطرأ على المناخ السياسي العام والتوجهات الأيديولوجية السائدة في المجتمع: من يسارية إلى قومية أحيانا، ومن دينية تحررية إلى دينية محافظة أحيانا أخرى وهكذا.

وهنا موطن تكرر الأزمة الصامتة وحدوثها باستمرار. في المجتمعات التي تحدث فيها انتخابات عامة، يمارس الناخبون خياراتهم بين تيار محافظ أو تيار ليبرالي، وبين أيديولوجيا دينية إلى أيديولوجيا علمانية ليبرالية في دورة تاريخية.

وهذا ما نجده بشكل متزايد في أميركا الجنوبية وشرق آسيا. أما مسألة هل تمثل هذه التحولات ممارسة ديمقراطية حقيقية أم أن فئات من النخبة الحاكمة تتناوب على الحكم بينما تبقى القضايا العامة والمطالب الملحة قائمة معلقة، مسألة مفتوحة قابلة للنقاش. في الغرب مثلا جرى التحول من الثورة المحافظة التي مثلتها التاتشرية ـ الريغانية إلى ليبرالية كلينتون ـ أوباما، في جيل واحد.

أما في العالم العربي فقد اتخذ التحول الثقافي من عهد عبد الناصر إلى قيام الظاهرة الساداتية: التعايش مع إسرائيل، تحجيم دولة الرعاية الاجتماعية، إضعاف الإصلاح الزراعي، تشجيع التيارات الدينية... الخ، إلى أزمة مجتمعية مستترة. بينما منع قيام حكم الرئيس مبارك من التغير في تركيبة النظام الحاكم وتوجهاته الأيديولوجية.

وفي الكويت لم يترتب على التحول الثقافي في القيم الاجتماعية وفي المناخ السياسي العام إلى التغير في توجهات النخبة الحاكمة، بسبب وجود رئيس وزراء دائم يتناوب فيه الوزراء على الحكم خارج نطاق المشاركة السياسية. والشيء نفسه أو مشابه له، ينطبق على تجربة البحرين والأردن. في الأردن مثلا كان هناك 56 رئيس وزراء في 46 سنة حسب تقرير الفاينانشال تايمز (11 أبريل 2009)، دون أن يحدث تغيير في تركيبة النخبة الحاكمة أو في إيديولوجياتها. ويتشابه الأردن والبحرين في ترتيبات نظام الحكم.

أن حالة التأزيم المتكررة هي مؤشر على أن التحول في القيم وفي المناخ السياسي العام وفي خيارات الناخبين، إذا لم يصاحبه تغيير في تركيبة النخبة الحاكمة واتجاهاتها السياسية، بما يتناسب والتطورات الحادثة في النظام الاجتماعي ـ الاقتصادي، سوف يؤدي إلى احتكاك سياسي بين القوى المجتمعية وتضامنياتها القبلية ـ الطائفية. وفي كثير من الحالات يكون نظام الحكم على وضعه المتداعي وتبقى القيم السائدة فيه فارغة خاوية لا قدرة لها على توجيه السلوك أو على الضبط الاجتماعي.

ولا يستدعي هذا التغيير في تركيبة النخبة الحاكمة ثورة دموية أو تمرد مدمر، أنه تغير مستتر يحدث باستمرار باعتباره مصدر من مصادر التغير الاجتماعي. إن معالجة ما نطلق عليه تأزيم يتطلب إدراكا منا بأن التطورات الحادثة في النظام الاجتماعي تؤدي إلى التحول في القيم والمناخ السياسي العام ويؤدي عادة إلى التغير في توجهات النخبة الحاكمة وطريقة إدارتها للأزمة الاجتماعية بما يتماشى مع تلك التطورات.

كاتب كويتي

knaqeeb@hotmail.com